منظمة أوبك في عهد ترامب – بوتين

روبن ميلز

سعى  قادة الولايات المتحدة في كثير من الأحيان إلى بسط نفوذ دولتهم على منظمة الدول المُصدِرّة للبترول (أوبك)، في حين  مارس الرؤساء السابقين للولايات المتحدة “الضغط” على الدول المُصدِرّة للبترول من أجل خفض الأسعار فقد اكتفى  الرئيس دونالد ترامب  بالتغريد على موقع تويتر. وفي ظل الزيادة التصاعدية لإنتاج  الولايات المتحدة من النفط، وربط ذلك بالتطورات السياسية، فهذا يدل على أنه يتعين على فيينا (مقر منظمة أوبك) الإذعان إلى قرارات واشنطن.

وخلال حقبة التسعينات من القرن الماضي وبداية القرن الحالي كانت الأمور أبسط مما هي عليه الآن. ، فالولايات المتحدة كانت فعليًا مُنتِجاً ضخماً للنفط غير أن إنتاجها كان في تناقص، وهو ما جعل  تأثير واشنطن على إمدادات النفط لا فائدة منه، ويأتي هذا في الوقت الذي كانت فيه روسيا مُنافِساً مُزعِجاً يمارس التهديد بالسيطرة على سوق  النفط، ويحنث بوعوده  بشأن التعاون مع منظمة أوبك، بيد أن الاقتصاد الروسي كان ضعيفاً ولم تكُن روسيا لاعباً سياسياً فعالاً في منطقة الشرق الأوسط.

والآن، تحتل  الولايات المتحدة صدارة منتجي النفط الخام على مستوى العالم، فللمرة الأولى في تاريخها تخطى إنتاج الولايات المتحدة حاجز أحد عشر “11” مليون برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي وهو ما جعل  الولايات المتحدة مُصدِرّاً كبيراً للنفط، رغم أنها ستظل مستوردًا للنفط في ضوء الإنتاج المتبقي بعد عمليات التصدير. مازال ارتفاع أسعار النفط يلقي بظلاله السلبية على قائدي السيارات في الولايات المتحدة، غير أن الأمر أقل وطأة بالنسبة للاقتصاد برمته. ويعود ارتفاع أسعار النفط بالنفع أيضًا على الولايات الجمهورية ومنها “تكساس” و”أوكلاهوما” و”نورث داكوتا” و”ألاسكا”.

وبالنسبة لموسكو وعلاقتها مع واشنطن فكانت الدولتان تعتمدان على بعضهما بشكل فريد من نوعه على مستوى كبار المسؤولين في البلدين، في الوقت الذي لا تزال فيه العلاقة بينهما تتسم بالعدائية في مواطن أخرى. ، وخلال قمة هلسنكي، اقترح فلاديمير بوتين التعاون في مجال النفط، وأضاف قائلاً، لا توجد دولة  ستستفيد من “هبوط أسعار النفط”. كان لتخفيض قيمة العملة الروسية أثره في تحسين سعر تكلفة إنتاج النفط في البلاد، ، غير أن التكلفة تبقى باهظة في حقول النفط الجديدة الواقعة في القطب الشمالي والحقول البحرية والصخرية. وفي تلك الأثناء، وعلى الرغم من التناقضات الواضحة، يرتبط الكرملين في الوقت الحالي بعلاقات هامة مع العديد من دول الشرق الأوسط، لاسيما دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية و والإمارات العربية المتحدة وقطرـ ولهذا كانت صفقة “أوبك+” دلالة قوية على النفوذ الروسي.

تعين على منظمة أوبك خلال اجتماعها في “فيينا” في يونيو/حزيران أن تأخذ في اعتبارها تلك الضغوط المتناقضة، فضلاً عن مخاوفها المعتادة بشأن عمليات العرض والطلب المتنافسة والنمو الاقتصادي.

ونتيجة للضغط الأمريكي، أو الرغبة الروسية في مواصلة أو الاستمرار في الضغط على إيران في الوقت الذي تزداد العقوبات على إيران شدة، يبدو أن المملكة العربية السعودية وحلفائها قد استبقوا قمة أوبك وقرروا زيادة صادراتهم من النفط اعتبارًا من الأول من يونيو/حزيران، حيث قررت تلك الدول زيادة الإنتاج عن  الحد المسموح به في كل دولة على حدة، طالما أن إجمالي الإنتاج في تلك الدول سيظل دون سقف الإنتاج لدول منظمة أوبك، وهو أمر يسهل تحقيقه لأن  إنتاج فنزويلا من النفط في تناقص مستمر.

وبعد قرار زيادة الصادرات، بات واضحاً أن الإيرانيين تم التلاعب بهم، حيث رأت طهران أن بيان قمة أوبك يضمن لدول المنظمة هذا الوضع القائم الأمثل لهم، حيث الحد تدريجيًا من عمليات تخفيض إنتاج النفط، وهو ما يمكن تلك الدول من زيادة إنتاجها عن الحد المسموح به لكل دولة.

ورغم ذلك، يبدو أن المملكة العربية السعودية قد أُجبرت هي الأخرى على اتخاذ هذا القرار المتسرع على غير عادتها. وأوضحت سلفاً أن ثم خطوة جريئة وصحيحة يلزم اتخاذها وهي عدم رفع أسعار النفط بشكل مفاجئ وهو الأمر الذي سيؤدي إلى تدمير الاقتصاد ومستقبل الطلب على النفط. كانت الرياض فيما مضى تتجاوب بحذر مع مؤشرات السوق الآخذة في التراجع، وربما يأتي هذا التجاوب بعد انقضاء شهر أو شهرين على معرفة تلك المؤشرات. والآن، وبعد زيادة الإنتاج بشكل كبير في يونيو/حزيران، قلصت المملكة العربية السعودية إنتاجها من النفط مجددًا في النصف الأول من شهر يوليو/تموز بمعدل 500 ألف برميل يومياً بسبب الشكوك حول قوة الطلب الآسيوي على النفط.

تتوقف أهمية منظمة أوبك – وتحديداً أعضاءها البارزين من دول الخليج كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، على أمرين، أولهما قدرة تلك الدول على زيادة إنتاجها من النفط عن الحد المسموح به وبهذا تكون تلك الدول لاعبًا لا غنى عنه بسبب قدرتها على زيادة إنتاجها من النفط بسرعة لمواجهة أية توقف مفاجئ في إنتاج النفط كما فعلت خلال حرب الخليج الأولى، ومرة أخرى خلال الثورة الليبية في العام 2011، والعقوبات اللاحقة على إيران. وهناك بحث صادر عن مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية يفيد بأن الاقتصاد العالمي قد استفاد سنويًا من زيادة إنتاج النفط من جانب منظمة أوبك بمبلغ يتراوح بين 170 و200 مليار دولارً. لا توجد خيارات أخرى يمكنها التعاطي مع تلك الأزمة الكبيرة الممتدة والمتمثلة في أن المخزون الاستراتيجي من النفط لدى دول منظمه التعاون الاقتصادي والتنمية والصين قليل جداً، ولن توفر الحقول الصخرية الكمية المطلوبة من النفط بالسرعة الكافية أو الجودة المطلوبة، غير أن دول الخليج ستزيد من إنتاجها إذا نجحت الولايات المتحدة في تنفيذ هدفها المُعلن وهو تقليل الصادرات الإيرانية من النفط وصولاً إلى الصفر.

يمتلك قادة منظمة أوبك القدرة الكافية لزيادة إنتاج النفط من أجل منع الدول الأخرى من محاولة الحصول على حصة في سوق النفط، تماماً كما فعلت فنزويلاً في نهاية التسعينات من القرن الماضي. وعبر خفض أسعار النفط والإبقاء عليها منخفضة، تستطيع منظمة أوبك التصدي لحرب الأسعار. وقد تبنّى السعوديون تلك الاستراتيجية حين قامت منظمة أوبك في نوفمبر من العام 2014 بمفاجأة العديد من المراقبين لأنها لم تخفض إنتاج النفط على الرغم من انهيار أسعاره، وكان ذلك على أمل تدمير صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة ولو بشكل جزئي على الأقل، علمًا بأن استمرا صناعة النفط الصخري في هذا الوقت يحتاج أن تكون أسعار النفط ما بين 80 إلى 100 دولار للبرميل، غير أنه ثبت أن جميع الدول المنتجة لا طاقة لها بانخفاض أسعار البترول، لما عانته تلك الدول من خفض الموازنة، وتطبيق برامج التقشف وتراجع استثمارات أصول الثروة السيادية. لقد انخفض الإنتاج الأمريكي بالفعل، لكنه ليس انخفاضًا بالغًا كما هو متوقع،  ومنذ نهاية العام 2016، بدأت الولايات المتحدة في زيادة إنتاجها من النفط مجددًا، على الرغم من أن أسعار البرميل الواحد كانت أقل من 50 دولارا.

عقدت منظمة أوبك عدة لقاءات مع منتجي النفط الصخري من الأمريكيين، ومنها لقاءات في فينا، حيث تم توجيه الدعوة لكلٍ من “جون هيس” صاحب مؤسسة “هيس”، و”هارولد هام” صاحب مؤسسة “كونتننتال”، وسكوت شيفيلد” رئيس مجلس إدارة شركة بيونير. وأشار شيفلد، والذي كان من المفترض أن يستنسخ ما قاله ترامب تقريبًا، إلى أن استقرار أسعار النفط عند 60 إلى 80 دولار للبرميل سيكون مفيداً لمنظمة أوبك وللقائمين على استخراج النفط الصخري وكذلك الطلب على البترول، لكنه ولأسباب عملية وقانونية، ورغم بعض الآمال التي تنشدها منظمة أوبك، لا يمكن للقائمين على صناعة النفط الصخري التعاون مع منظمة أوبك.

إن الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا دولتان مؤثرتان في أسواق النفط في الوقت الراهن، غير أنهما تفتقران إلى البراعة الاستراتيجية التي تملكها الدول الأعضاء في منظمة أوبك. وتتميز الدولتان بقوتهما الدبلوماسية والعسكرية، والاقتصادية في حالة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما مكن الدولتين من التحرك على محاورة عدة. وللعلم تظل إسهامات منظمة أوبك أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه، بيد أن تعقيدات البيئة السياسية داخل المنظمة قد تضاعفت.

AFP PHOTO/Sputnik/Alexey NIKOLSKY