الفلسطينيون بحاجة إلى فكرة مناهضة للصهيونية ، وليس مجرد حركة احتجاجية ضد الصهيونية

جوزيف دانا

في العام 2008، وحين كانت الثورة في منطقة الشرق الأوسط هي آخر ما يخطر على بال أي شخص، كان سكان قرية النبي صالح يتظاهرون، حيث قام الفلسطينيون بتنظيم مظاهرات أسبوعية ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الانتهاكات التي حدثت في حلميش وهي المستوطنة الإسرائيلية المجاورة لهم، وأخذت تلك الاحتجاجات مكانها في تلال الضفة الغربية المتموجة، واليوم، فإن سكان تلك المنطقة لازالوا يتظاهرون، كما أن أحد أشهر شبابها قد عاد تواً بعد قضاء ثمانية أشهر في أحد السجون الإسرائيلية.
والواقع أن عهد التميمي لفتت انتباه المنطقة والعالم حين حُكِم عليها بالسجن بسبب قيامها بصفع جندياً إسرائيلياً خلال مظاهرة جرت العام الماضي، وأثناء سير التحقيقات تعرّضت عهد التميمي للتعذيب البدني وأساليب أخرى من التعذيب لكسر روحها المعنوية، وحتى حينما كانت تلك الفتاة البالغة من العمر 17 عاماً على وشك الحصول على حريتها، حاولت السلطات الإسرائيلية عرقلة تنفيذ القرار عبر تغيير مكان إطلاق سراحها ثلاث مرّات، فاضطرت عائلتها وأصدقائها إلى الانتظار لساعات والانتقال من مكان إلى آخر من أجل اللحاق بها.
وبفضل الرزانة التي تتمتّع بها عهد التميمي، فقد أصبحت الآن بمثابة واجهة لمجهودات المقاومة الفلسطينية السلمية المستمرة، والواقع أن عهد التميمي تبعث بروح الربيع العربي في المنطقة، ويظل المرء حتى الآن عاجزًا عن تقديم المساعدة وجل ما لديه هو التعجب والتساؤل عما يمكن فعله بخلاف التظاهر والاحتجاجات – هناك حاجة إلى جوهر فكري جديد يلتف المتظاهرون حوله.
ومنذ العام 2010، انتشرت الاحتجاجات على مستوى منطقة الشرق الأوسط، والآن بالنسبة للفلسطينيين فإن تلك التحولات لم تعد مُزلزِلة، وذلك يعود إلى طبيعة الصراع الفلسطيني من أجل الحرية والكرامة، والواقع أن الربيع العربي لم يؤدي إلى إحداث تغيير كبير في القيادة الفلسطينية، كما أن الربيع العربي لم يفعل الكثير من أجل تغيير طبيعة السيطرة الإسرائيلية، ومع كل هذا، باتت إسرائيل في وضع أقوى مما كانت عليه قبل اندلاع ثورات الربيع العربي، فقد تم فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وانتشرت الصراعات السياسية الداخلية في المجتمع الفلسطيني، بينما تستمر إسرائيل في ترسيخ هيمنتها يوماً بعد يوم.
وكان المفكرالفلسطيني الراحل إدوارد سعيد قد أشار علانية إلى أن شعوب العالم يتعين عليها دعم الفلسطينيين لأن سعيهم لنيل حريتهم هي أقوى مطالب العدالة، كما أن ضمان الحقوق الإنسانية والمدنية بدلاً من العيش تحت الاحتلال والاستعمار فكرة تستوعبها شعوب العالم بشكل محسوس، وقد كان إدوارد سعيد مُحِقّاً فيما قاله إلى حد ما.
وجد الكفاح الفلسطيني من أجل الحرية صدى خاص في منطقة الشرق الأوسط في أعقاب الربيع العربي، كما أن الشباب الذين ألهمتهم الملايين التي خرجت إلى شوارع القاهرة وتونس ودمشق، هذا الشباب لازال يتمتّع بالجرأة بسبب الصراع الفلسطيني، ويعُد هذا من العناصر المُحدِدّة لهوية الشرق الأوسط المعاصر، وقد وجد الشباب العربي في عهد التميمي رمزاً للبطلة التي تعُد بمثابة أحد الحلول الداخلية للوقوف بوجه قوى القمع مهما كانت العواقب.
والآن فقد باتت المعركة من أجل حرية فلسطين تمُر بحالة من عدم التوازن، فمن جانب هناك إسرائيل والأيديولوجية الصهيونية التي تقف وراءها، ومن جانب آخر هناك الفلسطينيين الذين يقاتلون كرد فعل لتلك الأيديولوجية، وما يفتقده الجانب الفلسطيني حقاً هو طريقة جديدة للتعبير عن المعتقدات الفكرية الأساسية التي تعُد الحرية بمثابة القلب بالنسبة لها، تماماً كما حدث خلال ربيع براغ (مرحلة إصلاحية في تاريخ تشيكوسلوفاكيا)، حيث كانت البلاد تسعى لنوع جديد من الاشتراكية تكون الحرية في مركز القلب منه (وذلك على الرغم من أن تلك الحركة كان محكوماً عليها بالفشل منذ البداية)، وخلال المرحلة الحالية من الصراع؛ يحتاج الفلسطينيون إلى فكرة مناهضة للصهيونية وليس حركة احتجاجية ضد الصهيونية.
وبينما تبدو تلك فكرة قوية في مواجهة الوحشية العسكرية الإسرائيلية، فإن الفلسطينيين يحتاجون شيئاً ما للقتال من أجله يكون أكبر من مفهوم الحرية الذي يتسم بالغموض، وذلك لأن الحرية لا يمكن لها أن توجد بمعزل عن الأشياء التي تدعمها، فالحرية بشكل مطلق وعلى الرغم من أي شيء هي حالة من حالات الفوضى، ولكي نكون محقين، يجب أن نقول أن فلسطين لا تشهد فوضى، وأن ما يحدث هو نتاج عدم شعور الفلسطينيين بالحرية.
وقد انطلقت الاحتجاجات ضد الاحتلال الإسرائيلي من قرى مثل “النبي صالح” دون دعم المؤسسات، وذلك على الرغم من أن تلك الاحتجاجات استحوذت على انتباه قلوب شعوب المنطقة وعقولهم، والواقع أن الكفاح من أجل الحرية يتعرّض لعقبات بسبب المؤسسات التي تمثل الشعب الفلسطيني.
وهناك السُلطة الفلسطينية، والتي تتحكّم فيها حركة فتح، تلك السُلطة التي نشأت كنتاج لاتفاقيات أوسلو على أنها مؤسسة مؤقتة من أجل الحكم الذاتي، وقد فشلت اتفاقيات أوسلو في محاولتها إنهاء الصراع على أساس حل الدولتين، وواضح أن المؤسسات التي تمخّضت عنها اتفاقيات أوسلو لا تمثل مصالح الفلسطينيين، بل أن تلك المؤسسات باتت تعمل على حماية الأمن الإسرائيلي، وهناك غزة محفل حركة حماس المنعزلة والتي تسير وفقًا لمبادئ إسلامية باتت غير مألوفة وتعارض تطلعات الكثير من الشعب الفلسطيني.
لذا فمن يمكن له لعب دور “مهاتما غاندي” أو “نيلسون مانديلا” في مواجهة إسرائيل؟ من يمكن له القيام ببناء مؤسسات جيدة على أساس فكرة حث الفلسطينيين على الوصول للحرية والكرامة؟،وفي الوقت الحالي لا توجد إجابة على هذا السؤال، وربما يعُد هذا هو السبب الأساسي وجوهر مشكلة القضية الفلسطينية في الوقت الحالي.
والواقع أن عهد التميمي وضعت يدها على شيء يتسم بالصراحة والتفرُد، وقد باتت شجاعتها مصدراً لإلهام الملايين، لكن خلال المرحلة الحالية؛ فإن الكفاح الفلسطيني يحتاج بطلاً مثقفاً ومؤهلاً لتوجيه تلك الفكرة وروح الحرية بشكل جيد، وعلى مدار الأعوام السبعين الماضية، كانت إسرائيل سريعة فيما يتعلّق بقتل أو اعتقال مثل تلك النوعية من القادة، وفي غياب مثل هذا البطل؛ ستظل عهد التميمي حبيسة تلال الضفة الغربية، سيتم التنازل عن تلك الفكرة لحركات مثل حماس وفتح، وهي الحركات التي تُعاني من إفلاس في الأفكار.

AFP PHOTO/ABBAS MOMANI