إن فرض الضرائب على الأغذية غير الصحية أمر يستحق الاهتمام إذا كان بهدف تحسين الصحة العامة – ويمكن لدول الخليج أن توضح ذلك

جوناثان جرونال

AFP photo: Joel Saget

مع توارد أنباء عن قيام سلطنة عمان بتطبيق ما يُطلق عليها “الضريبة الانتقائية” في نهاية سبتمبر، تُصبح الكويت أخر دولة في مجلس التعاون الخليجي لم تقم بتلك الخطوة، لكنها صرحت أنها تخطط للقيام بذلك في العام 2020 – 2021.

وتُعد الضرائب الجديدة باهظةفهي تقدر ب100% على التبغ ومشروبات الطاقة، و50% على المشروبات الغازية التي تشتمل على السكريات، وليس سرًا أن الدافع الأساسي وراء فرض تلك الضرائب هو الحاجة الشديدة لتهيئة الاقتصاد للتحول إلى حقبة ما بعد النفط.

وخلال تقرير أُعد، من أجل لقاء بين وزراء المالية بدول مجلس التعاون الخليجي عام 2015، أصر صندوق النقد الدولي على أن الإصلاحات الضريبية باتت ضرورة مُلِحّة على مستوى دول الخليج، وذلك لأن “النظم الضريبية الموجودة حاليًا… محدودة، ولا تفي بالاحتياجات المالية المتصاعدة للميزانيات، خاصة مع احتمال طول الفترة التي تشهد انخفاضًا في أسعار النفط”، وعلى أي حال، توفر تلك الضرائب فرصة ثمينة للتدخل في مجال الصحة العامة. وفي غضون شهر واحد من صدور تقرير صندوق النقد الدولي؛ قامت الدول الستة الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي بالتوقيع على الاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة، حيث تعهدت الدول الستة بفرض ضرائب على البضائع التي “تضر بصحة الإنسان والبيئة”.

وتُعاني جميع دول الخليج الستة من مشكلات من الأمراض المتعلقة بنمط الحياة، مثل البدانة ومرض السكري والنوبات القلبية المتعلقة بالشريان التاجي، لذا يجب تبنّي أي إجراء يساهم في تحسين صحة المواطنين، وعلى أي حال، فقد دخلت تلك الدولمنطقة جدلية تتعلق بالسياسات الصحية التي تختلف حولها الآراء في دول انحدرت سلفًا إلى ذات المسار عبر تطبيق الضريبة الانتقائية . وخلال الأسبوع الماضي في المملكة المتحدة، أعلن بوريس جونسون المرشح الأوفر حظًا لأن يصبح رئيس الوزراء القادم، أنه سيقوم بتعليق الأنشطة الخاصة بسياسات الإفراط في الحماية أو التدخل بشكل غير ضروري في الاختيار الشخصي، وقال جونسون أن تلك السياسات ليست عادلة وتستهدف الفقراء، دون وجود دليل على فاعلية مثل تلك السياسات، وعلى أي حال، حتى إذا كان هذا الحديث صحيحًا فهو ليس واضحًا.

ومع ذلك، في المكسيك التي يعاني 70% من سكانها من زيادة الوزن، و70% من السكريات الزائدة عن الحاجة التي تظهر خلال النظام الغذائي تأتي من المشروبات السكرية، فقد انخفض الاستهلاك بنسبة 8% منذ فرض ضريبة على السكريات عام 2016. وفي المملكة المتحدة، تقدمت الحكومة العام الماضي بمشروع قانون الضريبة الذكية، والتي ترمي إلى تشجيع الشركات على إعادة هيكلة المنتجات، والإبقاء على مستوى السكر بها أقل من النسبة الخاضعة للضريبة – وقد نجحت تلك السياسة، كما لجأت العديد من الشركات إلى تخفيض نسبة السكر في المشروبات بمقدار النصف أو أكثرلتجنُب مسألة رفع الأسعار، وخلال ليلة واحدة أُلغي 45 مليون كجم من السكريات من النظام الغذائي الوطني في بريطانيا، وفي العام الأول، بلغت الضريبة المُحصلة لصالح المال العام البريطاني من منتجات الشركات التي رفضت المشاركة في فعاليات رياضية، 240 مليون جنيه استرليني (300.5 مليون دولار أمريكي) ، وهو المال الذي كانت الحكومة تخطط من أجل استخدامه في تطوير المنشآت الرياضية بالمدارس.

وهذا هو الأسلوب المُتبع في منطقة الخليج: فقد أعلنت حكومة الإمارات العربية المتحدة أنها تنوي فرض تلك الضرائب من أجل “تخفيض استهلاك السلع المضرة وغير الصحية، فضلًا عن زيادة الإيرادات… ويُمكن إنفاق تلك الأموال على الخدمات العامة التي تجلب النفع للمواطنين”، وتكمن مشكلة المملكة المتحدة والدول الأخرى، في أن المبادرات النافعة للطرفين صارت في طريقها للزوال بشكل واضح، بعد أن تحولت الصحة العامة إلى لعبة سياسية، حتى لو باتت تكلفة الرعاية الصحية خارج السيطرة؛ فإن مراكز البحوث والساسة التابعين لجناح اليمين، قاموا بركوب موجة السياسات الشعبوية التي ترفض المبادرات الشبيهة بالضريبة الانتقائية، بوصفها تدخُلًا حكوميًا لا مبرر له في الحرية الشخصية للإنسان.

وتتمثل النقطة الجدلية التي قام بوريس جونسون وآخرين بتسليط الضوء عليها، في أن كل ما يُطلق عليها ضرائب انتقائية هي أعمال عفا عليها الزمن، وتضر بشدة من هم أكثر فقرًا، ولكن وجهة النظر تلك أغفلت جانبًا هامًا، وهو أن صحة الأشخاص الأشد فقرًا تتعرض لأضرار شديدة، بسبب الحرية التي تتمتع بها الشركات الكبرى والتي تمكنها من استغلال هؤلاء الفقراء، وكما صرح أحد خبراء الصحة للمجلة الطبية البريطانية؛ فإن هؤلاء الذين يحتجون ضد تدخل الدولة “يرون التلاعب في الاختيارات الذي يقوم به الممثلون التجاريون – وعلى سبيل المثال؛ عبر الإعلان عن المنتجات التي تسبب البدانة للأطفال، والذي يُعتبر حقًا مرحب به، دون النظر لاعتبارات المصلحة العامة”.

وبمعنى آخر، فقد باتت الأولوية للصحة المالية للشركات والمساهمين فيها، على حساب الصحة البدنية لعملاء تلك الشركات.

ولم تتوصل هيئة المحلفين إلى قرار حول ما إذا كان فرض الضرائب على المنتجات المضرة، يستطيع الحد من معدلات البدانة المرتفعة أو الأمراض الأخرى، وقد تنبأ أحد برامج الكمبيوتر الشاملة بأن تلك الضرائب ستنجح في تحقيق الأهداف، لكن يجب مرور سنوات قبل أن تكون هناك إمكانية لتقييم تلك العملية بشكل نهائي، ومن ثم فإنه من المهم أن نعطي الوقت الكافي لعملية التدخُل الحكومي لإثبات كونها تستحق التطبيق، لكن تتعرض تلك الجهود لمحاولة تقويضها بصفة مُستمرة.

وكما صرحت مؤخرًا مارغريت تشان رئيسة منظمة الصحة العالمية؛ “لم تعد المسألة تتعلق بالإفراط في استخدام التبغ، والصحة العامة، بل يجب أن نكافح لمقاومة الإفراط في الطعام والمشروبات الغازية والكحوليات، وجميع القائمين على تلك الصناعات يخشون القانون، ويقومون بحماية أنفسهم عبر استخدام ذات التكتيكات، التي تشتمل على الجماعات الأمامية (التي تعمل من الباطن لصالح أطراف أخرى)، وجماعات الضغط، كما تعد بأنها ستعيد تنظيم نفسها بنفسها، عبر إقامة الدعاوى القضائية وتمويل الأبحاث التي تعمل على طمس الأدلة وترك عامة الشعب في حيرة”.

لذا يُعد قيام دول مجلس التعاون الخليجي بتبنّي سياسة الضرائب الانتقائية فرصة رائعة، وأحد المكاسب المحتملة التي لا تُحصى، والتي لن ينتفع بها المواطنين وخزانة الدول فقط، لكن ستنتفع بها أيضًا الدول الأخرى التي تكافح من أجل إبطال مفعول القنبلة الموقوتة التي قد تصيب قطاع الرعاية الصحية.

وتعمل دول الخليج التي لا تتأثر بالانتكاسات على المدى القصير، والانتهازية التيتمارسها الدوائر الانتخابية المستعدة للصراع على نشر التشاؤم، ، حيث تلك الدول تعُد بمثابة بيئة فريدة من نوعها صالحة للتجربة، ويمكن اختبار المنافع المحتملة الخاصة بتلك التدخلات في الرعاية الصحية، وأن يصبح الحصول على تلك المنافع خارج إطار الشك. ولهذا، يُعد رفع أسعار المياه الغازية ثمنًا يستحق أن ندفعه.

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا في ” ذا تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.