السلام في منطقة القرن الإفريقي سيجلب المنافع على المدى الطويل للشرق الأوسط

فيصل اليافعي

في صيف العام 2016 سافر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دولة إفريقية لافتتاح أكبر سفارة تركية على مستوى العالم، والواقع أن اختيار مقديشيو كان شيئاً يحتاج لتفسير، والمعروف أن الأراضي الصومالية المُعترف بها دولياً تتألّف من دولتين وعاصمتين، فالقسم الشمالي من الصومال يستضيف “جمهورية أرض الصومال”، وهي عبارة عن إقليم انفصل عن البلاد وهو غير مُعترف به من قِبل المجتمع الدولي، لكنه لديه حكومة تسيير الأعمال الخاصة به.
وعلى مدى العقدين الماضيين باتت دولاً غير غربية تتودد إلى دول القرن الإفريقي من أجل الحصول على نفوذ استراتيجي ومنافع اقتصادية، لكن بعد التقارُب الدراماتيكي الذي حدث الشهر الماضي بين إثيوبيا وإرتريا والذي يُقال أنه تم برعاية الإمارات العربية المتحدة أظهر أن ما هو جيد لتلك المنطقة هو أيضاً جيد لحلفائها.
وبعد أن افتتحت تركيا سفارتها قامت العام الماضي بافتتاح أكبر قاعدة عسكرية لها خارج الأراضي التركية في مقديشيو، وحسنت أنقرة علاقتها العلاقات الأمنية مع كل من كينيا وأوغندا، كما أنها تسعى إلى إقامة قاعدة في جيبوتي، وهي أصغر دولة تقع في منطقة شرق إفريقيا ويبلُغ تعداد سكانها أقل من مليون نسمة، وتعُد المركز بالنسبة لتلك المنطقة، كما تستضيف جييبوتي أكبر قاعدة عسكرية تابعة للولايات المتحدة في إفريقيا وكذا تستضيف أول قاعدة عسكرية تابعة للصين تُقام خارج الحدود الصينية، وحتى العام الماضي كانت هناك دوريات للقوات القطرية داخل أراضي جيبوتي على الحدود مع إرتريا، وقامت الإمارات العربية المتحدة بإبرام اتفاقية لافتتاح ميناء عصب في إرتريا، كما أنها تعمل على تطوير ميناء بربرة في “جمهورية أرض الصومال” التي تقع شمال الأراضي الصومالية، كما أن شركة موانئ دبي العالمية وهي أكبر شركات إدارة الموانئ في الإمارات تعمل على بناء عدد من المنشآت اللوجستية في إثيوبيا.
والواقع أن دول الشرق الأوسط على وجه الخصوص كانت حاضرة في منطقة القرن الإفريقي بسبب الروابط التاريخية والاهتمامات الاستراتيجية وكذا الاعتقاد بأن المنطقتين (الشرق الأوسط والقرن الإفريقي) تملكان مصيراً مشتركاً، وهذا يعني أن المشكلات التي تحدث في القرن الإفريقي تلقي بظلالها على العالم العربي، وأوضح مثال على ارتباط دول الشرق الأوسط بالقرن الأفريقي هو ما حدث في منتصف يوليو حين قامت كل من إثيوبيا وإرتريا بالإقدام على خطوة مُفاجِئة وفريدة من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين، وقد لعبت الإمارات العربية المتحدة دوراً هاماً كوسيط من أجل السلام وتعهّدت بتخصيص ثلاثة مليارات دولار لدعم إثيوبيا.
ويبدوا أن إحلال السلام بين إثيوبيا وإرتريا سيكون له دوراً محورياً فيما يتعلّق بكامل المنطقة، وخلال أيام من التقارُب الذي حدث بين الدولتين بدأت دول أخرى في تغيير السياسات الخاصة بها، وفي الثلاثين من يوليو قامت كل من إرتريا والصومال بالموافقة على استعادة العلاقات الدبلوماسية وافتتاح السفارات، وكانت حرباً شرسة وخاطفة قد دارت رحاها بين الدولتين منذ 20 عاماً، واستقبلت إرتريا الرئيس الصومالي بالترحاب خلال زيارته لأسمرة، وأيضاً هناك محادثات ستجري بين كل من إرتريا وجيبوتي، والمعروف أنه كان هناك صراعاً بين الدولتين استمر لفترة طويلة.
والواقع أن هناك منافع مستقبلية ضخمة لعودة العلاقات بين تلك الدول سيشهدها شعوب القرن الإفريقي والشرق الأوسط على حد سواء، حيث تحتاج العديد من بلدان القرن الإفريقي إلى التكنولوجيا والخدمات التي يمكن لشركات الشرق الأوسط أن تقدمها لهم، وهناك مثال جيد وهو إثيوبيا التي تملك أكبر الأسواق الواعدة في منطقة شرق إفريقيا، والتي تشهد موجة من خصخصة الشركات الحكومية، وهناك شركات هامة على مستوى المنطقة في مجال الهاتف المحمول تُعِدّ نفسها لدخول سوق الاتصالات الإثيوبي ومنها شركة “زين الكويت” و”اتصالات الإماراتية” و”سفاري كوم الكينية”، وقد رأت تركيا في الصومال فرصة للشركات التركية، بينما تنظر الإمارات العربية المتحدة إرتريا على أنها قاعدة للدخول إلى الأسواق الإفريقية.
غير أن هناك قضايا أمنية، وكل من الإريتريين والصوماليين يسعون لحياة أفضل، وكثيراً ما يقومون بعبور البحر إلى اليمن، مما يعني ضغطاً على الحكومة اليمنية، أو يقومون بالاتجاه شمالاً نحو المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربي.
والواقع أن القضية الرئيسية هي منفعة مشتركة، ولطالما كان القرن الأفريقي مهملاً من العالم الخارجي، وحينما قام أردوغان بزيارة الصومال في العام 2011 فإنه بذلك يكون رئيس غير إفريقي يزور الصومال منذ التسعينيات من القرن الماضي، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والدول الأوربية قدمت ملايين الدولارات كمعونات لتلك المنطقة على مدار عقود؛ إلا أن تلك القوى نادراً ما قامت ببناء مؤسسات أو سعت لتطوير البنية التحتية والاقتصاد في دول القرن الإفريقي.
والحقيقة أن تدخُل دول الشرق الأوسط في تلك المنطقة يعُد بمثابة فرصة لتغيير الوضع الذي أشرنا إليه، ومن المؤكد أن ما دفع دول الشرق الأوسط إلى التدخل في تلك المنطقة كان بعض الشيء بسبب المنافسة السياسية، وكل من المملكة العربية السعودية واليمن والسودان ومصر لديها سواحل طويلة على البحر الأحمر، وتلك الدول تراقب بحذر ما يحدث بطول تلك السواحل.
ثم وجدت دول الشرق الأوسط نفسها في منافسة مع بعضها البعض، كما يحدث بين تركيا والمملكة العربية السعودية أو بين الإمارات العربية المتحدة وقطر، مما جعل هناك حالة من الممكن أن نطلق عليها الصراع بالوكالة.
والواقع أن انسحاب القوات القطرية العام الماضي من المنطقة الحدودية بين إرتريا وجيبوتي كانت نتاجاً للنزاع القائم بين قطر من ناحية وعدة دول عربية من ناحية أخرى، وقد وجد السودان ودول القرن الإفريقي أنفسهم في موقف جذب بين معسكرين متعارضين، ووجدت الدول الأصغر نفسها أمام إغراءات مالية من الصعب مقاومتها، وبالنسبة للحالة الصومالية؛ فنحن نشهد حالة التجاذُب تلك داخل حدود دولة واحدة، حيث أن الصومال تعُد قريبة من تركيا، بينما “جمهورية أرض الصومال” تعُد أقرب للمحور الخليجي.
لكن عودة التقارُب بين الخصمين اللدودين إثيوبيا وإرتريا أظهرت أن ما هو جيد لمنطقة القرن الإفريقي سيكون جيداً لحلفاء الدولتين.
والحقيقة أن منطقة القرن الإفريقي تحتاج إلى التعاون فيما بينها، وهناك تقديرات تشير إلى أن منطقة القرن الإفريقي شهدت تسعة نزاعات رئيسية على مدار الأعوام الثلاثين الماضية، كما أن التجنيد الإجباري المفتوح على مدار عقود في إرتريا مما أدّى إلى الإضرار بالمجتمع الإرتري بطريقة لا يمكن تصورها، كما أن عدم وجود منافذ بحرية لإثيوبيا أدى إلى تقويض جهودها في مجال التنمية، كما أدى إلى زيادة الضغوط على دولة جنوب السودان التي لا تطل على أية بحار.
ولو أن تلك الدفعة الدبلوماسية التي قامت بها دول الشرق الأوسط استمرت على المدى الطويل؛ ولو أن دول الشرق الأوسط توقفت عن التنافُس فيما بينها؛ وحصول الشعوب على المنافع، سيكتشف كلٌ من الشرق الأوسط والقرن الإفريقي أن ثمار السلام في منطقة القرن الأفريقي ستؤتي أكلها في منطقة الشرق الأوسط.

AFP PHOTO/KARIM SAHIB