الصراع السياسي في إثيوبيا قد يجر البلاد إلى حرب أهلية

دنيانيش كامات

AFP Photo: Michael Tewelde

أحيت الإصلاحات السياسية الأخيرة التي أقرها “أبي أحمد علي”، رئيس وزراء إثيوبيا، التوترات العرقية داخل البلاد، مما أدى إلى نشوب أعمال عنف قد تتطور إلى حرب أهلية ذات تداعيات خطيرة ليس فقط على جيران إثيوبيا، ولكن أيضًا للدول الأوروبية وشرق إفريقيا ودول الخليج العربي.

وركزت حملة “آبي” (والذي يُنادى غالبًا باسمه الأول فقط) على سياسة توحيد الإثيوبيين، وطرح الإصلاحات في محاولة منه لتخفيف الانفراد الاستبدادي بالسلطة من جانب الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية الحاكمة. وينتمي رئيس الوزراء “آبي” من عرق الأورومو، واضطر إلى القبول بهذا المنصب في العام الماضي بعد تشكيل تحالف ضمني بين حزبي أورومو وأمهرة مع الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية الحاكمة وعلى الرغم من ذلك، ينظر حزب أمهرة والنخبة السياسية المهيمنة حتى الآن في حزب “تيغريان” إلى “آب” بعين الريبة بسبب ما يزعمون من أن حكومة “آبي” تعامل عرق “الأورومو” معاملة مواتية.

وقد أثار “آبي” غضب أحزاب التيغريان من خلال تقليص هيمنة التيغريان على أجهزة الأمن والمخابرات الإثيوبية بدرجة كبيرة. كما سعى “آبي” إلى إعطاء الحرية لأحزاب المعارضة من خلال إطلاق سراح السجناء السياسيين، ودعوة قادة المعارضة المنفيين إلىالرجوع الىإثيوبيا. ورغم ذلك، كانت ثمة تداعيات على تلك الإجراءات، ومنها على سبيل المثال، في يونيو 2018، أُلقيت قنبلة على تجمع حاشد حيث “آبي” يلقي كلمة له، وكان اللوم على العناصر الساخطة من عرق “تيغريان” الموجودين ضمن الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية.

وشهدت الجماعات العرقية الإثيوبية خلافًا طويل الأمد حول تخصيص الموارد أو الوظائف الحكومية أو الحدود الإقليمية أو الحكم الذاتي الإقليمي – وهي الشكاوى التي تفشت بين الأحزاب القائمة على أساس عرقي ضمن الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية. ومع الإصلاحات التي أقرها “آبي”، فقد أفسح هذا النظام السياسي المتحجر المجال أمام الحركات السياسية الجديدة، والتي تسعى الآن نحو مكانة سياسية بعيدًا عن عباءة الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية، حتى في طريقة معارضتها للجماعات العرقية الأخرى ضمن الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية. وفي الشهر الماضي، لقي كلٌ من رئيس أركان الجيش الإثيوبي واثنين من الشخصيات السياسية الإقليمية البارزة، وجميعهم من عرق “أمهرا”، حتفهم على يد فرقة يزعم أنها تابعة لأحد لواءات “أمهرا” والذي أُطلق سراحه من السجن خلال عملية الإصلاح السياسي التي أطلقها “آبي”. وهناك مزاعم بأن الجنرال كان يجهز ميليشيا “أمهرا” لمهاجمة مجموعات عرقية أخرى في منطقة أمهرة، وذلك في تحدٍ سافر لكل من الحكومات الفيدرالية والإقليمية.

وألقت الاغتيالات أيضًا الضوء على العداوة المتزايدة بين الأعراق فيما بين من هم داخل الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية وخارجها. وفي 18 يوليو خططت مجموعة سيداما العرقية للإعلان منفردة عن ضمها لمنطقة جديدة تتمتع بحكم شبه ذاتي، إلا أنها تراجعت عن ذلك بعد حدوث صدامات بين قوات الأمن الأثيوبية ونشطاء، وقد أودت تلك الصدامات بحياة سبعة عشر شخصا على الأقل. ومع ذلك فإنه لا يمكن استبعاد وقوع مزيد من المواجهات بين الحكومة الفيدرالية واعمال العنف العرقية متمثلا في إقليم سيداما والتجمعات الإقليمية الأخرى.إن إثيوبيا على شفا أزمة إنسانية حقيقية، حيث نزح 2.9 مليون شخص داخلياً بسبب العنف العرقي، ويحتاج “8” ملايين شخص إلى مساعدات غذائية طارئة. وإذا ما اشتد العنف، وعجزت حكومة “آبي” عن السيطرة على الوضع، فربما يطل علينا ما يذكرنا بالحرب الأهلية اللبنانية، حيث تحمل العديد من المجموعات السلاح لمواجهة بعضها متذرعة بذرائع مختلفة.ومن الطبيعي أن يكون لهذا الوضع تداعياته الجيوسياسية الخطيرة. ولأنها دولة يسكنها 100 مليون نسمة، وعلى مقربة من شبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا، وتعج بالطرق التي يسلكها المهاجرون نحو أوروبا، فمن المرجح أن يؤدي النزاع الذي يشبه الحرب الأهلية في إثيوبيا إلى توجه أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أوروبا وكينيا والمملكة العربية السعودية واليمن.إن المجموعات العرقية في إثيوبيا، وما تمتلكه كلٌ منها من ميليشيات متعددة تتجاوز حدود البلد، فضلاً عن ان العنف بين الأعراق سيتجاوز أيضا الحدود الوطنية، وسيشعل بالمثل، فتيل توترات عرقية – لاتزال خامدة حتى الآن – في الدول المجاورة لإثيوبيا. كما ان الفراغ الأمني في المنطقة المضطربة بين الصومال  وإثيوبيا، إلى جانب الانسحاب المحتمل لقوات حفظ السلام الإثيوبية من دولة الصومال نفسها، سيعزز من قوة جماعة الشباب الإرهابية، والتي قد تشن بعد ذلك هجمات إرهابية في أوغندا وكينيا وداخل إثيوبيا نفسها. كما ان السلام الهش الذي تحقق مؤخراً في جنوب السودان برعاية مشتركة بين إثيوبيا والسودان عرضة للانهيار بسبب تركيز أديس أبابا المشتتة على شئونها الداخلية. ومن المحتمل أيضًا انهيار الاتفاق الأولي، والذي ساهم “آبي” في التوصل إليه الشهر الماضي، لتقاسم السلطة في السودان بين الجيش والمعارضة المدنية، وذلك بسبب غياب الوسيط الخارجي.ومن المحتمل أن تتحول اتفاقية السلام التي أبرمتها إريتريا وإثيوبيا في العام 2018 أول ضحية للفوضى التي تشهدها إثيوبيا. وكان “أسياس أفورقي”، رئيس إريتريا الاستبدادي، بطيئاً في تنفيذ ما تعهدت به إريتريا، وربما اعتبر أن إثيوبيا الديمقراطية ستشكل تهديدًا لقبضته الحديدية على السلطة. وكانت إريتريا فيما مضى داعمة للمعارضة المسلحة الإثيوبية، ويمكنها جيدًا استعادة تلك الروابط مع وكلاءها السابقين لإثارة الفتنة في إثيوبيا، وفي هذا أيضًا تهديد للخطط السعودية والإماراتية في المنطقة؛ فقد بذلت كلتا الدولتين جهودًا كبيرة لتسهيل التقارب بين البلدين من أجل تأمين استثماراتهما الكبيرة في قطاعي الزراعة والبنية التحتية في المنطقة.وبالنظر إلى هذه التهديدات الخطيرة، يتحتم على القوى الدولية التي تحظى بثقل لدى الشخصيات السياسة في إثيوبيا، مثل الاتحاد الأوروبي والصين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تسهيل الحوار السياسي الداخلي بين مختلف أصحاب المصلحة في نظام الحكم في إثيوبيا.ويجب أن يكون الهدف النهائي هو تمكين حكومة “آبي” من إعادة تشكيل النموذج الفيدرالي لإثيوبيا بطريقة مقبولة لجميع

الجماعات العرقية، فضلاً عن تهيئة الأجواء السياسية لإجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة في عام 2020. وقد تعهدت ألمانيا بالفعل تمويل عملية تسريح جماعات المعارضة المسلحة في إثيوبيا، في حين تعهدت الإمارات بتقديم 3 مليارات دولار أمريكي كمساعدات واستثمارات. ويجب أيضًا على بقية المجتمع الدولي تكثيف جهوده قبل فوات الأوان.

دانيش كامات، هو محلل سياسي للأوضاع في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم استشارات للحكومات حول المبادرات السياسية والإستراتيجية لتعزيز النمو في الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.