زيارة البابا لدولة الإمارات العربية المتحدة تظهر مكانة المسيحية في الشرق الأوسط

مارتن نيولاند

إن زيارة البابا فرنسيس المرتقبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي أول زيارة لأي بابا إلى شبه الجزيرة العربية، ليست مجرد خطوة مبهرة لدعم الأممية والتسامح الديني، إذ يتوقع الخبراء في الوقت الراهن أن الديانة المسيحية توشك على الانقراض في المنطقة التي شهدت نشأتها، وأن احتفاء القداس بالزعيم الروحي لأكثر من مليار مسيحي من أتباع الديانة الكاثوليكية، في إمارة أبوظبي في الخامس “5” من يناير، ربما يسلط الضوء أكثر على هذا التطور.

ولن تشهد زيارة بابا الفاتيكان أي مناسبات عامة خلال زيارته التي تستغرق ثلاثة “3” أيام سوى هذا القداس. وخلال هذه الزيارة، سيلتقي بابا فرنسيس “بابا الفاتيكان” مرة أخرى بالشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، والذي سبق له أن زار الفاتيكان في العام 2016. ومن المقرر أن يحضر بابا الفاتيكان جلسة مغلقة مع مجلس حكماء المسلمين، والذي تأسس ليكون هيئة تضم كبار علماء الإسلام والشخصيات المرموقة من أجل لم شمل الأمة الإسلامية والتصدي للتمدد السلفي في المنطقة بعد غزو العراق والربيع العربي.

ومن جوانب عدة، تتشابه الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إلى حد ما مع الدين الإسلامي في مسألة القرابة الرعوية، وذلك من خلال اهتمام الكنسية بالمسائل المذهبية المتعلقة بالزواج والحياة الأسرية وانعدام الثقة في النظرية الفلسفية التي تُسمى “النسبوية”. ومع ذلك، نأمل أن يتسع الوقت لقداسته ليقر بأن ثمة مخاطر سياسية غير متوقعة جراء الترويج للحرية الدينية النسبية في هذه المنطقة من العالم والتي أصبحت بشكل ملحوظ أقل تعاطفًا مع هذا النوع من التسامح.

وبحكم الخبرة العملية، يجب على دول الخليج الموازنة بين الدين الإسلامي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من إطارها الدستوري، وبين ضرورة الأخذ بتنوع الثقافات والتعددية في هذا العالم الذي يتسم بالعولمة، وبالأخص في ظل تطبيق اقتصاديات ما بعد النفط. وهذا المفهوم غير مألوف لقطاع كبير من المجتمع الغربي غير المتدين، ولكنه مألوف لتلك المنطقة المشبعة بالمبادئ والقيم الدينية في كل جوانب الحياة.

وصاحب ظهور الأصولية الإسلامية توقعات متزايدة بشأن أن الجزيرة العربية لن تمارس أي دين سوى الدين الإسلامي. ويشكل الاعتراض على الحرية الدينية وتوافر الكحوليات والسياحة وغيرها من الأمور التي تسمى رضوخًا للثقافة الغربية، جزءًا من صيحات الاستهجان الإسلامية ضد التسوية السياسية الحالية في الجزيرة العربية.

وكان مشهد احتفال البابا فرنسيس بالقداس في إمارة أبوظبي في حضور 120,000 كاثوليكي من أصل مليون كاثوليكي يعيشون في دولة الإمارات، إشارة واضحة إلى أن تلك الشكاوى لم يلتفت إليها أحد، والأكثر من ذلك، هو أن الدولة التي يقوم اقتصادها على الطرق التجارية المستخدمة من ثقافات وأديان أخرى، ترتبط بعلاقة خاصة مع المسيحية.

وبعد اكتشاف النفط مباشرة، كانت إحدى المستشفيات التي تديرها إحدى البعثات المسيحية تسلم الأطفال المولودين إلى أسرة آل نهيان الحاكمة. وفي الوقت ذاته، خصصت الدولة أرضًا لبناء الكنائس، وأمر مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ “زايد”، بالمحافظة على أحد الأديرة الأثرية والتي تم اكتشافها في إمارة أبوظبي ليكون جزءًا من تراث دولة الإمارات العربية المتحدة. وكان أحد أبناء الشيخ زايد، وهو وزير الخارجية الشيخ “عبدالله بن زايد”، قد حضر أيضًا قداس منتصف الليل في “بيت لحم”.

وفي أوروبا، والتي لا يكترث الغالبية منها لأمر الدين، ربما ينصت العامة غير المتدينين جيدًا عندما يتعلق الأمر باضطهاد الإسلاميين لأقليات مثل الأيزيدية، أو تفجير الأماكن التاريخية القديمة ذات الأهمية، ومع ذلك، مازال عدد كبير منهم يغض الطرف عن الاضطهاد الكبير للعقيدة التي ساعدت في تأسيس الحضارة الغربية.

وقد شهدت دول العراق وسوريا ومصر، مهد العصور المسيحية الأولى، انخفاضًا مطردًا في أعداد المسيحيين، لأنهم عالقين بين الميليشيات المعارضة ويفتقرون إلى الحماية الرسمية، وهو ما يضعهم أمام خيار قاسٍ وهو البقاء في موطنهم ومواجهة خطر الموت، أو الرحيل عنه ومن ثم يكونوا جزءًا من الأعداد المتزايدة من المهجرين المحرومين والمطرودين من موطنهم.

وعلى الرغم من أن الباباوية تواجه تحديات عدة – ومنها فضيحة الاعتداءات الجنسية التي هزت العالم، والانقسامات الداخلية حول المسائل الرعوية والمذهبية، وكيفية استخدام الكنائس شبه الفارغة لتكون جزءًا من العالم المسيحي – فمازالت الباباوية تتمتع بمكانة أخلاقية حول العام.

وكانت منطقة الخليج شاهدًا على مولد الدين الإسلامي، وظلت المنطقة ملتزمة بهذا الدين ومتمسكة به، غير أن دولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص تصرفت وكأنها ملاذ لممارسة الشعائر المسيحية المتزايدة وقت الاضطهاد، وتستحق التقدير عن صنيعها هذا ممثلاً في زيارة البابا.

PHOTO/ANDREW MEDICHINI/POOL/AFP