انخفاض عدد السكان: مشكلة عالمية غير متوقعة

جوناثان جرونال

AFP Photo: Adek Berry

منذ عقد من الزمان، هناك اعتقاد بأن العالم في طريقه نحو انفجارًا سكانيًا كارثيًا مع نقص الغذاء والماء. ولكن يبدو أن العالم يواجه خطر نفاد البشرية.

ويشهد العالم تزايدًا مطردًا في عدد السكان منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بفضل تحسين التغذية والرعاية الصحية. وفي عام 1950، كان تعداد سكان العالم 2,6 مليار نسمة. وبحلول عام 1987، تضاعف هذا الرقم تقريبًا ليصل إلى خمسة مليارات نسمة، وبحلول عام 2010، بلغ تعداد السكان سبعة مليارات، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2045، و11 مليار نسمة بحلول عام 2100.

ومع ذلك، قد يواجه الجنس البشري الحالي سيناريو مختلفًا، والذي قد يشكل في ذاته تحديًا مماثلاً. وفي دراسة تمولها مؤسسة بيل ومليندا غيتس في قسم علوم القياسات الصحية في جامعة واشنطن في سياتل، تم التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات المذهلة. وفي بحث نشرته مجلة “لانسيت” الطبية هذا الشهر، قال الباحثون أن معدل الخصوبة العالمي يشهد انخفاضًا كبيرًا، ولهذا تأثير “مذهل” على العديد من البلدان.

وفي عام 1950، كانت المرأة تنجب في المتوسط “4,7” طفل. وبحلول عام 2017، انخفض الرقم إلى “2,37” طفل. ويكون تعداد السكان في انخفاض عندما يصل متوسط المواليد إلى ما دون “2,1”. وبحلول عام 2100، سيبلغ متوسط الإنجاب لكل امرأة “1,7”.

ومن المقرر أن يبلغ تعداد سكان العالم ذروته بـ”9,73″ مليار نسمة بحلول عام 2064، وينخفض إلى “8,8” مليار نسمة بحلول عام 2100. ويحذر الباحثون من أنه “بمجرد أن يبدأ تعداد السكان العالمي في الانخفاض”، فقد يستمر هذا الانخفاض بلا هوادة.

وتبدو تلك الأخبار جيدة، لا لشيء إلا لأن انخفاض معدلات الخصوبة هي نتاج أساسي لإتاحة الفرص الجيدة للمرأة، وأيضًا لأن إطعام عدد قليل من الأشخاص يخفف الضغط على البيئة والموارد المحدودة في العالم.

ولكن مع انخفاض عدد الشباب، ستزداد أعداد المسنين، من حوالي 140 مليون نسمة فوق سن الـ80 عامًا في عام 2017 إلى أكثر من 860 مليون نسمة بنهاية هذا القرن. ولكن مع انخفاض عدد من هم في سن العمل وأصحاب الدخل المالي ودافعي الضرائب، فمن سيمول احتياجات الرعاية الصحية باهظة الثمن للسكان المسنين المتزايدين؟.

وتعاني دول الخليج فعليًا من انخفاض الخصوبة. وفي عام 2017، بلغ معدل الخصوبة العالمي “2,37”. وبلغ متوسط الخصوبة في دول مجلس التعاون الخليجي الست “1,84” فقط. وكانت قطر والبحرين وعمان على شفا الفشل في الحفاظ على تعداد سكانها، وتعاني المملكة العربية السعودية انخفاضًا فعليًا مطردًا (حيث معدل الولادة “1,67” لكل امرأة)، والكويت (1,42 لكل امرأة)، ودولة الإمارات العربية المتحدة (1,31 لكل امرأة). وبحلول عام 2100، من المتوقع أن يكون الوضع في هذه البلدان أسوأ، حيث تنخفض معدلات الخصوبة لتسجل ما بين “1,32” و”1,39″ طفل في المملكة العربية السعودية، وما بين “1,23” و”1,27″ طفل في دولة الإمارات العربية المتحدة.

ويقول القائمون على دراسة جامعة واشنطن، أثبتت تلك التغيرات في حجم السكان وأعمارهم أنه “ربما لتلك التغيرات تأثيرات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية عميقة في العديد من البلدان”. ويقول القائمون على الدراسة أنه بحلول عام 2050، لن تستطيع “151” دولة إنجاب ما يكفي من الأطفال للحفاظ على سكانها. وبحلول عام 2100، سنجد أن “183” دولة، وسكان “23” دولة، بما في ذلك اليابان وتايلاند وإسبانيا والإمارات العربية المتحدة، قد انخفض سكانها إلى النصف.

وبينما يستمر التنافس بين أمريكا والصين للهيمنة على العالم الاقتصادي، فقد يكون تأثير انخفاض معدلات المواليد حاسماً. ومن المتوقع أن ينخفض عدد سكان الصين بنسبة “48%” بحلول نهاية هذا القرن. وهناك أيضًا انخفاضًا في عدد سكان أمريكا، غير أن الدراسة تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب بعض البلدان مثل كندا وأستراليا، من المرجح أن تتمكن من المحافظة على عدد السكان ممن في سن العمل من خلال الهجرة.

وبالنسبة لدول الخليج، هناك معضلة أخرى. وتعمل دول الخليج على تنويع اقتصادها، وتسعى، في الوقت ذاته، لاستبدال العمال الوافدين الذين يشغلون مناصب بارزة بالمواطنين. إن الرجوع بالزمن إلى الوراء، والانقلاب على ذلك التقدم الرائع نحو تحقيق المساواة للمرأة في مكان العمل وفي المجتمع بشكل عام أمر لا يمكن تصوره. وبالمثل، من غير المرجح أن تنجح أي محاولة لإقناع النساء بإنجاب المزيد من الأطفال.

وبالنسبة للبلدان ذات الدخل المرتفع وانكماش القوى العاملة، يرى الباحثون بجامعة واشنطن أن ثمة خيارًا واحدًا واضحًا أمام تلك الدول، وهو: “إن الإستراتيجية المثلى للنمو الاقتصادي والاستقرار المالي والأمن الجيوسياسي هي الهجرة الليبرالية مع توفير الاستيعاب الفعال داخل تلك المجتمعات”.

وبينما يستيقظ العالم على الواقع الجديد المتمثل في الانفجار السكاني، سيستمر السباق لجذب المهاجرين. وبينما هناك إمدادات جاهزة حاليًا من المهاجرين المحتملين، فقد يتبدل الأمر إذا تحسنت مستويات المعيشة في بلدان هؤلاء المهاجرون. وتعد اليابان والمجر وسلوفاكيا ودول البلطيق من بين البلدان التي تواجه انخفاضًا كبيرًا في عدد السكان وابتعدت عن الهجرة، مفضلة “الحفاظ على مجتمع متجانس لغويًا وثقافيًا “حتى تتجنب – على الأقل في الوقت الحالي – “المخاطر الاقتصادية والمالية والجيوسياسية الناتجة عن انخفاض السكان”.

إذا أرادت دول الخليج أن تستمر في نموها الاقتصادي، فيجب عليها ألا تحذو نفس حذو تلك الدول. وبرامج التوطين قد تكون سياسات جذابة وشائعة ومناسبة في أي عدد من المناصب والصناعات، ولكن لا يجب اختيارها على حساب الرفاهية الاقتصادية للبلد في المستقبل.

 

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.