عدد السكان يزيد بشكل مستمر، لكن المياه التي يحتاجونها لا تزيد بنفس الصورة

جوناثان جرونال

هناك مقولة معروفة عن المؤرخ اليوناني هيرودوت تقول إن مصر “هبة النيل”، وأن هذا نتيجة لوجود المياه التي تعطي الحياة، وتوفر الطمي الغني، الذي يأتي به الفيضان السنوي، وفي بلاد الرافدين؛ هناك حضارة أخرى قديمة ازدهرت في السهول الخصبة، التي أتت إليها المياه عبر نهري الفرات ودجلة، وفي تلك المنطقة؛ ظهرت أولى المدن الكبرى، كما ظهرت الكتابة والزراعة للمرة الأولى، واليوم؛ فإن كل من مصر والعراق تواجهان أخطاراً وجودية بسبب نقص المياه، والعطش الذي يصيب دول المنبع من الجيران الذين يتحكّمون في منابع الأنهار.

وتلك الدول ليست وحدها، فهناك 270 بحيرة ونهر تغطي نصف مساحة الكرة الأرضية، يتشارك فيها 145 دولة، و40% من السكان على مستوى العالم، ووفقًا لتقرير صادر عن معهد الموارد العالمية WRIفإن هناك مليار شخص يعانون من نقص المياه، ومن المتوقع لهذا الرقم أن يصل إلى 3.5 مليار شخص بحلول العام 2025.

والواقع أن ثلثي النزاعات الخاصة بالأنهار العابرة للحدود على مستوى العالم، بما فيها النيل والفرات ودجلة و”السند” و”الجانج” و”ميكونج”، تفتقد لاتفاقيات التعاون التي تعمل على تنظيم إمدادات تلك الأنهار، ووفقًا لتصريحات السكرتير العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريس” فإن هناك “صلة قوية بين المياه والسلام والأمن” في تلك المناطق، وفي أكتوبر انتهى مجلس الأمن إلى أن المواجهات يمكن تفاديها عبر اللجوء للتعاون، وانتهاج أساليب موحدة للتخطيط والمشاركة.

وتلك وجهة نظر معقولة، لكن حين يأتي الأمر إلى نفاذ المياه؛ فإن الشخص يفتقد العقلانية، وقد كانت 5 سنوات من الجفاف بمثابة المقدمة للثورة التي شهدتها سوريا في العام 2011، وتم تأجيج تلك الثورة عبر إدارة الأزمة بشكل سيء، مما أدّى إلى تدمير الأراضي الزراعية وتشريد مليون شخص، وقد اندلعت الاضطرابات في البداية حول مدينة “درعا”، موطن عدد من اللاجئين الساخطين الهاربين من المناطق التي تعاني نقصًا في المياه.

والواقع أن حال مصر والدول الأخرى التي تتحكّم في مجرى الأنهار يعد بمثابة الجانب السلبي من قصة جيدة، فمصر لم يكن هناك منافس على مياه النيل منذ الاف السنين، لكن اليوم، اصبحت مصر في ذيل قائمة من 11 دولة تريد زيادة حصتها من المياه بسبب التنمية الاقتصادية وتزايد عدد السكان.

ويأتي التهديد الأكبر عبر الخطة الإثيوبية لبناء سد لتوليد الكهرباء وسحب المياه من أجل استخدامها في الزراعة، أما مصر، التي أعلنت أن فقدانها 2% من الفيضان سيؤدي إلى تحول 200 ألف فدان من الأراضي الزراعية إلى صحراء؛ فقد هددت أكثر من مرة باللجوء إلى الخيار العسكري.

ولا يمكن لأحد أن يلوم الحكومة الإثيوبية لأنها تعمل ما بوسعها من أجل رفاهية مواطنيها، وبالمثل فإنه من الصعب رفض الخطط الإيرانية والتركية لإقامة سدود على روافد نهري الفرات ودجلة، وهو ما سيؤدي بالطبع إلى تقليل كمية المياه التي تحصل عليها العراق، وكلا من إيران وتركيا يحتاج المياه من أجل تلبية المطالب المتزايدة الخاصة بالطاقة والغذاء، وأيضًا لا يمكن للعراق، الذي يحاول بناء نفسه بعد سنوات من الفوضى أن يشاهد أراضيه الزراعية وهي تتحول إلى صحراء، والعراق يحتاج المياه ربما أكثر من الدولتين، لكنه واقع تحت رحمة الدولتين الجارتين المتحكمتين في منابع تلك الأنهار.

ومن المحتمل، بالنسبة للعراق والأراضي الحدودية التي تقع بين أفغانستان وإيران، وهي المنطقة التي تخطط أفغانستان لإنشاء سد بها على نهر “هلمند”، أن تكون مصدرًا للخطر الإيراني غير المباشر، وهناك أقاويل أن المياه ستصبح بمثابة “النفط الجديد”، وأن المياه ستصبح سلعة يتم الاقتتال عليها والموت من أجلها، وأن تلك العملية باتت موجودة على الأرض.

وفي العراق، اندلعت مظاهرات عنيفة العام الماضي في شوارع البصرة، وهي المحافظة الغنية بالنفط، والتي تعاني نقصًا في المياه، وأيضًا تعاني من أزمة في الصحة العامة حيث تم نقل 60 ألف شخص إلى المستشفى في العام 2017، وقام أفراد من حركة طالبان بقتل 10 جنود أفغان داخل موقع سد “سلمى”، وفي نوفمبر فُتِل 12 من الحراس بأحد مشاريع الري والطاقة الكهرومائية، تم إنشاءه على نهر “هلمند”.

وفي دول الخليج الغنية، فإن أزمة المياه باتت تعُد خطرًا وجوديًا، ولا توجد حلول واضحة، وتلك المنطقة لا توجد بها أنهار ولا مياه جوفية، وكانت النتيجة قيام كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر بإنشاء محطات ضخمة لتحلية المياه، من أجل توفير مياه الشرب، لكنها لم تكن الحل، وعلى مدار السنوات الماضية، ومع تزايد عدد السكان ومشروعات التنمية الاقتصادية، شهد عدد محطات تحلية المياه زيادة غير مسبوقة، ويوجد الآن 16 ألف محطة تحلية مياه تتوزع على 170 دولة، تتركز أغلبها في منطقة الشرق الأوسط.

لكن تحلية المياه لها أضرار بيئية واقتصادية على حد سواء، وهي تعمل بالغاز أو النفط، مما يسهم بشكل كبير في عملية التغيُر المُناخي، وحتى لو تم تحويل تلك المحطات للعمل بالطاقة الشمسية أو النووية، وهناك ورقة بحثية صادرة عن أكاديمية “ساينس جورنال” حول البيئة بشكل عام، تم تسليط الضوء فيها على الآثار الكارثية التي ستعانيها البيئة البحرية في منطقة الخليج، بسب مليارات اللترات من المياه الغنية بالأملاح التي تذهب إلى البحر.

والمياه هي مفتاح الحياة، ويمكن لنا العيش دون طعام لأسابيع، لكن لا يمكن لنا العيش دون مياه سوى لأيام، وبينما تتنافس الدول للحصول على حصتها من المياه؛ ربما تتوه منا حقيقة بسيطة، وهي أن كمية المياه على سطح الأرض لن تزيد أبدًا عن ما هي عليه في الوقت الحالي، والأرض عبارة عن ما يشبه سفينة فضائية، مواردها المائية محدودة، لكنها قابلة لإعادة التدوير، وكلما قل رواد تلك السفينة؛ زادت حصة الأشخاص الموجودين على متنها.

وهناك بعض الحلول المؤقتة التي يجب اللجوء إليها، منها الترشيد في استهلاك المياه على المستوى الشخصي، وكذا عقد اتفاقيات دولية من أجل تقاسُم المياه بشكل عادل.

وهناك حقيقة لا مفر منها، وهي أنه في العام 1955 كان عدد سكان الأرض 2.5 مليار نسمة، ووصل العدد الآن إلى سبعة مليارات نسمة، ومن المتوقع وصول عدد سكان الأرض إلى 12 مليار نسمة بحلول العام 2050، وأن إمدادات المياه حينها ستنقص عن ما هي عليه حاليًا.

AFP PHOTO/GIANLUIGI GUERCIA