مفاهيم ما بعد الإمبراطورية تتجاهل نماذج الحكم الرشيد التي عمت أرجاء المجتمعات الإسلامية

جوناثان جرونال

AFP photo: Karim Sahib

إنها أعراض بوادر الانقسام الذي انتشر في نفوس البريطانيين جرَاء مهزلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ، ففي يومين من الأسبوع الماضي خرج بيانان إسلاميان مستقطبان في المملكة المتحدة، يتناول أحدهما الطبيعة المتسامحة للمجتمع المنفتح وهو ما تطلعت إليه بريطانيا في فترة ما بعد الاستعمار، حيث احتضنت جميع الأديان والأعراق والثقافات، وأولتها نفس الاهتمام. وتناول البيان الآخر سياسة صافرة الكلب ، ويرى هذا البيان أن المملكة المتحدة أصبحت على مدار السنوات الثلاث الماضية خاضعة لأجنحة المسرح العالمي، وأصبحت تلعب دور المهرج الذي كانت شخصيته الخرقاء ستكون مسليةً لولا إحتقارها وازدرائها المقيت لكل ما هو أجنبي على أراضيها.

ففي الخامس عشر “15” من يوليو، اتضح في مقال كتبه “بوريس جونسون” في العام 2007، وهو ذلك الرجل الذي ورث الآن قيادة المملكة المتحدة في أعقاب الأزمة الشعبوية التي نشبت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأحد من رسموا الطريق لهذا الخروج، شن الرجل هجومًا على الإسلام. وكان قد كتب في مقالته “إن الإسلام، ثم المسلمين” يقفون بطبيعتهم عقبة في سبيل التقدم والحرية”، وعائق أمام “الرأسمالية الليبرالية….. والديمقراطية، وهو ما جعل أتباع الدين الإسلامي يتخلفون قرونًا عن ركب الحضارة الغربية.

وفي اليوم التالي، أعلن المتحف البريطاني عن افتتاح معرض جديد رئيسي مكرس لتقدير العالم الإسلامي ومساهماته الإبداعية في العالم الغربي.

وعند افتتاحه في شهر أكتوبر، سيعرض المعرض، “المستوحى من الشرق: حول كيفية تأثير العالم الإسلامي على الفن الغربي”، أشياء من متحف الفنون الإسلامية في ماليزيا، إلى جانب قطع رئيسية تضم أكثر من 25,000” قطعة من العالم الإسلامي وموجودة الآن في المتحف البريطاني. وتقع هذه المجموعة في المعرض الجديد لمؤسسة البخاري للعالم الإسلامي في قلب المتحف، وتؤكد تلك المجموعة على “الروابط العالمية للإسلام عبر منطقة شاسعة من العالم”، مما يعكس “الروابط بين العصور القديمة والوسطى والعالم الحديث أيضًا.”

ويمكن القول إن نظرة رئيس الوزراء جونسون إلى الإسلام ربما تغيرت منذ عام 2007 – أو، لم تكن في الواقع، نظرته الحقيقة إلى الإسلام. ورغم كل هذا، فتلك هي الانتهازية السياسية والتي جعلته يكتب في العام 2016 مسودتين لعمود صحفي لنشره، بينما كان يترقب تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكانت إحدى المسودتين تثني على الاتحاد الأوروبي باعتباره “ركيزة للعالم ولأوروبا”. أما المسودة الأخرى، والتي نشرها بعد يومين أثناء انضمامه إلى حملة “الخروج”، وفيها حث البريطانيين على التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “لإظهار أننا نرغب في الحكم الذاتي”.

ومن ناحية أخرى، كتب جونسون في أغسطس الماضي فقط عمودًا في صحيفة تحريضية، وفيه يهين النساء المسلمات اللائي يرتدين البرقع وكأنهن “صناديق رسائل” و”لصوص بنك”.

وسواء كان ازدراء جونسون للإسلام والمسلمين حقيقيًا أم لا، فإن تعيين حليفًا مقربًا من دونالد ترامب رئيسًا للوزراء سيزيد من حدة الخطاب السياسي العالمي، ويشجع أولئك الذين تتملكهم غريزة إلقاء اللوم في جميع مشاكلهم على الأجانب.

ولكن وراء هذا الخوف من الأجانب يكمن مرض تتعمق جذوره بشكل أكبر. وتشكل المقالة التي كتبها “جونسنون” تذكرة بأن في داخل المجتمع الغربي اعتقاد دائم في فترة ما بعد الإمبريالية ليس فقط بأن نموذج الديمقراطية خاصتهم هو النظام الديمقراطي الأفضل للعالم بأسره، بل وأيضًا بأن أي دولة تسلك طريقًا بديلا فهي بشكل ما أدني منهم منزلة.

إنه تصور حقيقي ويحمل في طياته الغرور، وخاصة في وقت يبدو فيه أن الأنظمة الديمقراطية في جميع أنحاء العالم تتراجع عن التزامها المفترض بالتسامح والتقدم، وبدلاً من ذلك، تنشر في دول العالم نوبات من الانقسام والتشويش المؤلم للنفوس.

ولنضرب مثالاً على ذلك بأمريكا، ففي العام 2016ـ جاءت الديمقراطية بدونالد ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، على الرغم من أن خصمه قد حصل على 2.5 مليون صوت إضافي. واليوم، تعيش الولايات المتحدة انقسامًا مريرًا، حيث ينشر رئيسها تصريحات عنصرية عبر “تويتر”، ويدفع أتباعه البيض في تجمع حاشد إلى المطالبة برحيل عضوة في الكونجرس الأمريكي بسبب بشرتها السمراء.

وبعدها حدث ركود سياسي. ومنذ ثمانينات القرن الماضي، أدى نظام الحزبين في أمريكا إلى ما سقوط الحكومة لما لا يقل عن عشر مرات، حيث كان هناك خلاف دائم بين الحزبين المتعارضين، وها قد أصبح ترامب مترأسا لهذا العبث، فضلاً عن فترة الـ 35 يومًا القياسية والتي أستغرقها ترامب في المطالبة بتمويل اتحادي لبناء جدار حدودي مع المكسيك.

وفي بريطانيا، وصلت الديمقراطية إلى طريق مسدود وصادم بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث تعرضت الديمقراطية منذ الاستفتاء في عام 2016 إلى العديد من المشاكل الحقيقية وتغافلت عنها تلك الحكومة العاجزة المتورطة في حرب أهلية شرسة ومثيرة للانقسام من صنيعها، وهو ما أدى إلى تضييق الآفاق الاقتصادية، وتقليب الجيران والأسر على بعضها بعضًا، وبهذا، يمكننا رؤية المملكة المتحدة في طريقها نحو الانهيار.

وكفى بالمرء أن ينظر إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي في دول الخليج للتساؤل عما إذا كانت الديمقراطية – بنموذجها الغربي، الذي مارسه ووصفه “جونسون” وأمثاله – ليست جيدة كما يدعي البعض. ومن المؤكد أن الحوكمة في دول مثل الإمارات العربية المتحدة أكثر إبداعًا وحسمًا وتطورًا، وهو ما يمكن الإمارات من وضع خططها طويلة الأجل بالإضافة إلى التجاوب السريع مع الحقائق الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة.

لقد تغافل جونسون حينما تطاول على الإسلام عن الاعتراف بمساهمات المسلمين التي لا حصر لها على مر القرون في مجالات العلوم والثقافة. كما أنه تجاهل الاعتراف بأن الافتقار إلى التقدم والذي يعاني منع العالم العربي لا يعزى إلى الإسلام بل إلى المغامرات العسكرية لدول الغرب، والتي عرقلة الاقتصاديات، وحصدت أرواح أكثر من 250000 مدني، وخلفت 21 مليون أفغاني وعراقي وباكستاني وسوري كلاجئين.

ومن حق الغرب أن يستمر في نهجه الديمقراطي، ولكن لا يحق له فرض هذا النهج على الشعوب الأخرى، ولاسيما في وقت تبرهن فيه الديمقراطية الغربية عدم كفاءتها كأداة فعالة للحكم، وأنها عرضة للاستغلال من جانب المتطرفين الشعبويين.

وفي الوقت الذي يكافح فيه “جونسون” دون جدوى على مدار الأشهر المقبلة لإقناع الاتحاد الأوروبي بالنزول على رغبته، يتعين على جونسون تخصيص بعض الوقت من جدول أعماله المزدحم هذا الخريف لزيارة معرض المتحف البريطاني الجديد. ومن يدري – فلربما يجد نفسه “ملهمًا” بالشرق.

جونثان جورنال صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من عمره في منطقة الشرق الأوسط وعمل فيها، ويقيم الآن في بريطانيا.