الاحتجاجات تُجبِر العراق على تحمل المزيد من الديون

كيرك ه. سوويل

تلقّى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ضربة قوية مؤخراً، كما كان أداء الحزب التابع له سيئاً خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر مايو، تبع ذلك مزاعم بارتكاب مخالفات مخزية أثناء تنظيم الانتخابات تصل الى تزوير العملية الانتخابية، والآن، فإن الاحتجاجات التي أسفرت عن سقوط أكثر من 12 قتيلاً أدّت إلى تشويه الصورة السلمية للعبادي، وطالب المحتجون بقيام القطاع العام بتوفير المزيد من الوظائف، وألا يكتفي القطاع بتحسين الخدمات، وقد بات العبادي أمام حقيقة واقعة وهي أنه على الرغم من أن أسعار النفط قد استعادت قيمتها إلا أن عجز الحكومة عن وقف التوسُع في الإنفاق الحكومي يعني أن بغداد مستمرة في الأزمة المالية التي تعصف بها، وهذا بدوره يعني أنه حتى إذا ما نجح العبادي في الاستمرار على رأس السلطة بعد انتهاء عملية اعادة فرز الاصوات الانتخابية وتقديم التنازلات، فإن الولاية الثانية لحيدر العبادي ستبدأ بينما يُعاني الرجل من ضعف المصداقية.

وما تم الكشف عنه هو أن اعتلال قطاع الخدمات ليس بجديد، وأن ذلك كان على الأقل أحد الأسباب التي أدّت إلى المفاجأة بحلول حزب العبادي في المركز الثالث في الانتخابات، لكن الاحتجاجات الصيفية المُعتادة تسارعت بينما تواجه البلاد أزمة مزدوجة بسبب نقص المياه والطاقة، كما أن قيام تركيا باقتطاع كميات من مياه نهر دجلة أدّى إلى تفاقُم أزمة المياه في العراق في أكثر الأوقات سوءاً، أما شبكة الكهرباء العراقية المتهالكة من الأساس فقد باتت تواجه المزيد من الضغط بسبب زيادة الاستهلاك التي نتجت بدورها عن ارتفاع درجات الحرارة، والعراق لا يعتمد فقط على الكهرباء التي يتم إنتاجها محلياً، بل يعتمد أيضاً على الكهرباء التي يحصل عليها من إيران، وفي أفضل الفروض فإن الكهرباء المحلية وتلك التي تأتي من إيران من الممكن أن توفر الطاقة اللازمة لمدة 20 ساعة يومياً، لكن إيران التي باتت تُعاني من زيادة استهلاك الكهرباء قامت في الثالث من يوليو بوقف العمل بأربعة خطوط تقوم على إمداد العراق بالكهرباء.

وقد تصاعدت الاحتجاجات في الاسبوع الثاني، حيث ازدادت درجات الحرارة وتعطّلت أجهزة تكييف الهواء، وفي البصرة فقد بدأ السكان في الاحتجاج ليس فقط بسبب نقص الكهرباء والماء، وإنما أيضاً بسبب البطالة، وكانت هذه لحظة تحوّل الاحتجاجات، حيث قامت قوات الأمن في الثامن من يوليو بقتل أول شخص مدني في مظاهرة خلال موجة العنف الحالية، وقد أدّت تلك الواقعة إلى تسارُع الاحتجاجات، وفي الأيام التالية وقعت هجمات على المباني الحكومية ومكاتب الأحزاب والمنشآت النفطية، وقد تمثل التهديد الوحيد الحقيقي للمنشآت النفطية في اسنهداف موقع القرنة 2 التابع لشركة “لوك أويل” الروسية، حيث جرت اشتباكات بين قوات الأمن ومحتجين حاولوا اقتحام المنشآة النفطية، وقد أدّى ذلك إلى إجلاء بعض العمال المغتربين بشركة “لوك أويل” من بعض المواقع بشكل مؤقت، كما أن تلك الأحداث ألقت الضوء على التهديدات المُحتملة التي تطال شريان الحياة الاقتصادي للعراق، وكانت تلك هي نقطة التحول الثانية في تلك الاحتجاجات.
وقد كان رد فعل العبادي سريعاً، فقد قام بتعزيز الحماية بالنسبة للمنشآت الحيوية، مستعيناً بالجيش وفرقة مكافحة الإرهاب ذائعة الصيت والتي لعبت دوراً حيوياً خلال عملية تحرير الموصل، والآن فقد أدّت سياسة التصعيد التي تقوم بها قوات الأمن إلى تصعيد حدة المواجهات والاعتقالات إراقة الدم، وفي الأسبوع الماضي؛ قامت اللجنة العراقية لحقوق الإنسان بإصدار تقريراً أشارت فيه إلى مقتل 14 وإصابة أكثر من 300 عراقي.

واقترنت تلك الأحداث بجهود فاشلة لكسر زخم تلك الاحتجاجات عبر قطع خطوط الإنترنت بشكل مؤقت، وقد أدّت تلك الخطوة إلى خسارة العبادي لسمعته التي جناها خلال الفترة الأولى في السُلطة والتي اظهرته على أنه لا يقمع المظاهرات، وفيما يتعلّق بباقي الإجراءات الاستباقية التي قام بها العبادي، فقد بات القليل من العراقيون ينظرون نظرة ثقة لاستجابة الحكومة لتلك الأحداث، وقام العبادي بتعيين وزير النفط “جبار اللعيبي” وهو من البصرة على رأس لجنة وزارية تعمل على تلبية مطالب المحتجين، ولم يتوقّع أحد أن يصل العبادي إلى نتيجة في هذا الصدد.

ثم تعهّد العبادي بتوفير عشرة آلاف وظيفة لسكان البصرة، على ان تلتزم الشركات الخاصة بتوفير تلك الفرص، ولم يتحدّث العبادي عن كيفية تنفيذ هذا التعهُد، مما زاد من حالة الغضب الشعبي لدى عودة العبادي إلى بغداد في الثالث عشر من يوليو بعد أن حضر قمة العام الحالي لحلف شمال الأطلنطي (نيتو) في بروكسل، وقام العبادي بإنشاء هيكل تنفيذي لما يُسمّى ب”خلِيّة أزمة”، وإشراك الحكومة في الأمور الإدارية الصغيرة بجميع المحافظات، وبقي أن نرى مدى جدوى تلك الخلية في معالجة تلك الازمة ، وعلى أي حال، فإن النتائج حتى الآن غير مُشجِعّة، ولننظر على سبيل المثال إلى محاولة العبادي لتوضيح الاقتراحات السابقة التي تقدّم بها، والعرض الوحيد الذي اتسم بالدقة هو تأمين مبلغ ثلاثة مليارات دولار من أجل تطوير شبكة الكهرباء ومياه الشرب والخدمات الصحية على مستوى البصرة، والآن فإن تلك المبادرة الحقيقية ستتم بأموال كان من المُفترض أن تتسلّمها البصرة بناء على القوانين الحالية الخاصة بتنظيم إنتاج البصرة من النفط وتلك القوانين الخاصة بعائدات الجمارك.
والأسوأ هو أن العبادي اعترف لاحقاً بأن حالة البلاد المالية باتت في خطر، فقد قال العبادي أن العراق يحتاج إلى بيع برميل النفط بسعر يتجاوز 67 دولاراً للبرميل من اجل تغطية نفقات خط النفط الأساسي، والمعروف أن النفط الخام العراقي يُباع بسعر أقل من خام برنت، وحتى في حالة تعادل السعر فإنه سيصل حينها إلى 75 دولاراً للبرميل، وهذا هو سعر خام برنت في الوقت الراهن، وهذا يعني أنه لا يوجد هامش لدى حكومة العبادي لزيادة الإنفاق، وعلى أي حال فإن النفقات الجديدة التي وعد بها العبادي ستؤدي إلى الإخلال بالتوازن بين سعر النفط العراقي وسعر خام برنت، وهذا يعني مزيد من الديون ستقع على عاتق بغداد.
وقد تولى العبادي منصبه في السُلطة عام 2014 في واحدة من أسوأ الفترات في تاريخ العراق الحديث، فقد كانت البلاد على حافة الانهيار من الناحيتين الامنية والاقتصادية، والحقيقة أن جميع المشكلات الكبرى التي تواجه العراق اليوم هي نتاج لتراكمات حدثت قبل العام 2014، لذا فمن الممكن للمرء أن يتفق مع العبادي على أنه لا يتحمّل مسئولية تلك الأخطاء، وعلى سبيل المثال، فإن العبادي قد ادّعى أن الفشل في الخدمات العامة يعود بشكل جزئي إلى الحصانة القانونية التي يتمتّع بها النظام اللامركزي، وأن أعضاء السُلطة المحلية أساءت استخدام السُلطات التي تم منحها إياها، وبمعنى آخر، فإن العبادي لم يكُن لديه الكثير ليفعله، والآن فمن العدل أن نقول أنه بعد مرور 4 سنوات على رأس السُلطة فإن بقاء تلك المشكلات بلا حل جذري يعُد مقياساً لفشل العبادي، ولو نجح العبادي في تشكيل حكومة جديدة؛ فسوف يبدأ فترته الثانية في ظل أزمة من المصداقية، وتساؤلات حول متى يخرج العراق من هذا المستنقع، وقبل هذا، فإنه من غير الواضح كيف سينجح العبادي في إقناع العراقيين بوقف الاحتجاجات والعودة إلى المنازل

AFP PHOTO/Haidar MOHAMMED ALI