العنصرية في إسرائيل وحركة “حياة السود مهمة”

دنيانيش كامات

AFP Photo: Gali Tibbon

شهدت المدن الإسرائيلية مطلع هذا الشهر احتجاجات من قبل جماعة اليهود الأثيوبيين والتي يصل تعدادها لحوالي 150000 نسمة، وقد حمل المعترضون لافتات كتب عليها عبارة ” حياة السود مهمة ” والمستلهمة من الحركة الأمريكية التي حملت الاسم ذاته. وقد أصيب خلال تلك التظاهرات حوالي 100 ضابط إسرائيلي وأعتقل 136 من المتظاهرين. والسبب الرئيسي للأزمة كان قتل سولومون تيكا المهاجر الأثيوبي ذو الثمانية عشر ربيعا برصاص ضابط شرطة خارج الخدمة والذي وجهت له لاحقا تهمة مخالفة قواعد الانضباط بدلا من تهمة القتل العمد.

لم تكن تلك حادثة فردية بل هي جزء من نهج متبع من الممارسات العنصرية في إسرائيل تجاه المجتمعات المهمشة. وفي مطلع هذا العام أردي رجل أثيوبي قتيلا برصاص الشرطة الإسرائيلية وقد كان يبلغ عمره 24 عاما ويعاني من إعاقة ذهنية ولم يقدم الضباط حتى الآن للمحاكمة. وفي عام 2015 تعرض جندي أثيوبي-إسرائيلي للضرب من قبل ضابط إسرائيلي في وضح النهار. وفي العام الماضي انتحر رجل أثيوبي عمره 22 عام لا دعاءه بتحمله إهانات مستمرة من قبل الشرطة الإسرائيلية، ولم يدان أي من هؤلاء لعدم كفاية الأدلة. وقد قتل أحد عشر رجلا أثيوبيا بواسطة الشرطة الإسرائيلية في العشرين عام الأخيرة من ضمنهم خمسة جراء إصابات مباشرة في الستة سنوات الأخيرة.

وفي عام 2016 وجدت لجنة مشكلة من قبل الحكومة دليلا على ممارسة العنصرية الممنهجة في إسرائيل تجاه الأثيوبيين والذين قالت عنهم أنهم يسجنون ظلما ويعانون بدرجات عالية من الإفقار ويتم التمييز ضدهم في المسكن والتعليم وكذلك في تولي الوظائف. وقد استقرت تلك اللجنة على حوالي 52 توصية قامت الحكومة بتنفيذ ما يقرب من 35 منها.

مع ذلك فإنه كما توضح الحادثة التي وقعت هذا الشهر فإن العنصرية متمثلة في مظهر العنف الشرطي لا تزال مستمرة. ويعزو السبب في ذلك التمييز المستمر ضد الجماعات العرقية طوال تاريخ دولة إسرائيل إلي أولا: تعزيز بناء هويتها الوطنية وثانيا: حتي تخفف من حدة قلقها تجاه المحافظة علي الشخصية اليهودية للدولة.

وكان مؤدي ذلك أن قاد نحو ممارسة العنف بأشكال مختلفة تجاه تلك الجماعات. وفي بداية تأسيس تلك الدولة، اعتنقت إسرائيل سياسة محو كل ما هو عربي تجاه يهود الشرق وهم اليهود ذوي الأصول الشرق أوسطية والشمال إفريقية. حيث انتهجت الدولة الناشئة سياسة محو الهوية العربية ليهود الشرق فاعتبرت لغتهم أنها لغة الأعداء بينما استولوا على موسيقاهم وطريقة طهوهم للطعام بشكل ممنهج واعتبروها كجزء من الهوية الإسرائيلية الاساسية. وكان يهود أوربا أو اليهود من ذوي الأصول الأوروبية هم من حملوا تلك المعايير وهم من يشكلون الغالبية العظمي من نخبة البلاد حتى يومنا هذا. ويعد العنف الثقافي الذي يمارس اليوم من قبل يهود الشرق دليلا على إتباعهم لذات الثقافة التي يعتنقها يهود الغرب.

وتمييز الأوربيين البيض باعتبارهم المشكلين الحقيقيين لهوية يهودية الدولة الإسرائيلية وكون هنالك قلق عام من قبل الدولة الإسرائيلية تجاه الحفاظ على من يشكلون الغالبية العظمي لليهود جعلها تنتهج أساليب خبيثة في تعاملها مع الوافدين الجدد من المهاجرين السود.

فمنذ وصولهم في ثمانينيات القرن الماضي اعتبرت المؤسسات الدينية الإسرائيلية الأثيوبيين ممن اعتنقوا الديانة اليهودية بأنهم يهود غير أصليين وكانت من ضمن أولي الإهانات التي مورست تجاه الوافدين الجدد مطالبتهم بأن يخضعوا لمراسم تحويل وفي بعض الأحيان لإعادة ختان بالنسبة للذكور. وفي عام 2013 اعترفت الحكومة الإسرائيلية باستخدام وسائل منع الحمل طويلة الأمد تجاه المرأة الأثيوبية دونما رضاء منهن، وقد اكتشفت تلك السياسة من خلال أخصائيين اجتماعيين قد لاحظوا انخفاض معدل المواليد داخل الجماعة الأثيوبية الى النصف خلال عشر سنوات.

فممارسة العنصرية تجاه السود والعرب الإسرائيليين دائما ما اتخذت أشكال عنف نتيجة نزاع تلك المجتمعات مع من اعتبروا بمثابة خطر علي دولة إسرائيل ، في ظل دولة ذات طابع عسكري شديد غير قادرة أو غير راغبة بتسليط الضوء علي الفارق بين كل منهما ، فعرب إسرائيل، ويتكون اغلبهم من الفلسطينيين الذين تمسكوا بالوجود علي أراضيهم أثناء تكوين دولة إسرائيل، مازالوا مرتبطين بالفلسطينيين المتواجدين في الأقاليم المحتلة، وفي الوقت ذاته فإن الإثيوبيين الإسرائيليين يرتبطون ب33000 لاجئ من إرتريا والسودان في إسرائيل ، وقد كان وزير العدل الإسرائيلي اليميني إيلات شاكيد قد تعهد بترحيل هؤلاء اللاجئين طوعا أو كرها .

فالنظام السياسي الإسرائيلي والحالة الراهنة بخصوص سياساتها القومية يجعل من غير المرجح أن يتم تقديم أي مواساة للإسرائيليين من ذوي الأصول الإثيوبية. فالنظام الانتخابي الذي يضع شروطا صارمة لدخول الأحزاب للبرلمان لا يسمح بتمثيل ملائم لمجموعات الأقليات. علاوة على ذلك فإنه من غير المرجح ان يخفف التكتلين السياسيين الرئيسيين الذين حازا على مقاعد البرلمان بانتخابات العامة الماضية، أن يخففا من حدة الاعتبارات العنصرية في إسرائيل.

هذا وقد رفض تحالف الوسط الليبرالي الأزرق والأبيض المعارض التعاون مع أحزاب عرب إسرائيل وبهذا يؤكدون على إقصائهم سياسيا، بينما تبني رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو بكل إخلاص أجندة اليمين المتطرف والأحزاب الدينية كجزء من حملته الانتخابية. وليس من قبيل الصدفة أنه، وحتى مع إبداءه أسفا لوفاة المراهق الأثيوبي، سرعان ما يتحول للغة القانون والنظام المعتادة من خلال قوله إن حكومته لن تسمح بإغلاق الشوارع وطالب المتظاهرين باحترام القانون. وإذا لم تعالج إسرائيل وبكل جدية الفارق بين كون الشخص يهودي إسرائيلي وكونه مواطنا إسرائيليا والعلاقة بين كلتي الهويتين، فإنه سيكون من العبث تعليق أية آمال بخصوص إنهاء مسألة العنصرية الممنهجة تجاه الأثيوبيين والمجموعات المهمشة الأخرى. والحقيقة أنه في ظل المناخ السياسي الحالي تبدو فرص تحقق ذلك الأمر ضئيلة.

للغاية.دنيانيش كامات هو محلل سياسي مهتم بشئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو أيضا يقدم استشارات للحكومات بخصوص السياسات والمبادرات الإستراتيجية لتعزيز نموها في الصناعات الإبداعية كالإعلام والمحتويات الترفيهية والثقافية.