النموذج الديني الجديد وإمكانية المساعدة في التسويات السياسية في المستقبل

مارتن نيولاند

بعد دخول سيارة بابا الفاتيكان المتواضعة، إلى الجراج، ورحيل  بقايا حشود أتباع الديانة المسيحية في أبوظبي، فما هو الإرث الحقيقي من زيارته التاريخية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي أول زيارة لأي بابا إلى شبه الجزيرة العربية؟، وبعد تفكير متأني، تبادر إلى ذهني أمران، أولهما، أنه في أي منطقة تعصف بها صراعات تقوم معظمها أو جزء منها على الخلافات الدينية، فهناك جهود مضنية بُذلت لإبعاد التعصب الديني عن دائرة الخلافات الدولية والقومية. وثانيًا، ربما يمكن بشكل أكثر نفعًا معالجة انعدام ثقة فئات عديدة من المجتمع الغربي في المسلمين من خلال إنشاء مؤسسة في الشرق الأوسط نفسه. ورغم ذلك، يجب توخي الحذر للحيلولة دون تحلل كافة الوعود إلى ذكريات من المسكنات.

ونتج عن المناقشات التي جرت في اجتماع مجلس حكماء المسلمين ومؤتمر الأخوة الإنسانية تأسيس، كما هو مأمول، “نموذج جديد”، ليس فقط على صعيد العلاقات الدينية والطائفية، بل أيضًا على صعيد نماذج العدالة الاجتماعية وصناعة القرار من جانب القادة السياسيين والدينيين. ولم تتجلى أهمية زيارة بابا الفاتيكان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في احتفاء المستضيفين به، بل تجلت أيضًا في كثرة الوفود القادمة إلى اجتماع الإخوة الإنسانية ، حيث اجتمع هناك القساوسة البروتستانت، والرهبان الكاثوليك، ورجال الدين المسلمون، وأحد كبار الحاخامات، وممثلين عن الديانة الهندوسية والسيخ والبوذيين، في محاولة لإنهاء الصخب العقائدي المتمثل في التباهي بالانتصار وسوء الفهم وهي السمة التي تسود الممارسات الدينية على مستوى العالم.

وتبلورت الفعاليات التي جرت في أبوظبي عن تحركات غير رسمية تجاه توافق – ديني وسياسي- مازال حتى الآن لم يحظى بالاهتمام اللازم. فعلى سبيل المثال، على هامش مؤتمر الأخوة الإنساني، توقع الحاخام “مارك شناير”، رئيس مؤسسة التفاهم العرقي، أن تكون العلاقات بين اليهود والمسلمين أكثر تماسكًا، وتحدث عن الألفة المتزايدة بين حكام دول الخليج وإسرائيل لمواجهة التوسع الإيراني.

وتمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة الخبرة في استضافة المؤسسات والفعاليات ذات الصلة بالثقافة والطابع العالمي والإقليمي. وأصبحت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ومقرها أبوظبي، مركز للسياسية المتعلقة بالطاقة المتجددة، ومكافحة التغير المناخي. وهناك في أبوظبي مجلس حكماء المسلمين في أبوظبي، وهو منتدى يهدف إلى نشر الفكر الإسلامي الوسطي.

والآن، من المحتمل أن يكون متحف البيت الإبراهيمي الموعود في عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة هو أول مؤسسة في العصر الحديث تكرس جهودها صراحة للاعتراف بالقواسم المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام. والأكثر أهمية من ذلك كله هو أنه من الواجب بناء جسور التواصل اللاهوتية في شبه الجزيرة العربية – لأنها المنطقة التي تتعرض عادة إلى كثير من اللوم، صوابًا أو خطأ، بسبب عدم التسامح الديني فيها – أكثر من الغرب – والذي يدعي أنه عباءة التسامح الروحاني تجاه الجميع، غير أنه تخلى عن مبادئه في السنوات الأخيرة.

فضلاً عن ذلك، أصبح الآن عاديًا في الإمارات العربية المتحدة أن تتناول وسائل الإعلام المحلية تقارير عن وجود الكنائس في دبي، وهو الأمر الذي تجاهلته وسائل الإعلام بدرجة كبيرة لسنوات عدة. ومع ذلك، من المثير للاهتمام رؤية الطريقة التي تتناول بها نفس وسائل الإعلام المشاركة الإسرائيلية المستمرة في الفعاليات الرياضية الدولية بدءًا من رياضة الجودو ووصولاً إلى السباحة.

ويميل المراقبون، وبخاصة في الغرب، إلى رفض الوثيقة التي وقعها بابا الفاتيكان “فرانسيس”، والدكتور “أحمد الطيب”، شيخ الأزهر الشريف، باعتبارها وثيقة أخرى جيدة صادرة عن كبار رجال الدين ذوا النوايا الحسنة. غير أن هاذين الموقعين على البيان يحملان على عاتقهما الرعوية والنظام العقائدي لملايين من المسيحيين والمسلمين المعتدلين حول العالم، كما أن البيان الصادر عنهما ليس مجرد بيان عن التوافق الديني والقيم المشتركة، بل يمتد أيضًا ليشمل السياسات والاقتصاديات والعدالة الاجتماعية. ويؤكد هذا البيان على رفض المتطرفين الدينيين، ويطالب أيضًا السياسة الرسمية بأن تعكس تلك الطموحات.

ومن الممكن أن تعاني الحكومات الإقليمية بدرجة كبيرة بسبب الموظفين والمستشارين الذي يفضلون غالبًا الحذر بدلاً من مواجهة المخاطر، واختيار المواقف التي ربما يتخلى عنها قادتهم المعنيين. وكثيرًا ما توجد “طبقة” من موظفي الحكومة الذين يفضلون تجنب المخاطر ويراقبون عن كثب المسائل المتعلقة بوضع السياسات الجديدة والتي قد تحول دون تحقيق إرادة القادة. ولهذا يتعين على المسؤولين الاهتمام ولو جزئيًا بتداعيات البيان النهائي للإمام الأكبر وبابا الفاتيكان وليس فقط تهنئة النفس بأثر رجعي.

وهناك بعض البنود في هذا البيان، والتي تنظم، على سبيل المثال، حقوق المرأة، وحماية أماكن العبادة، وحرية “الاعتقاد” والفكر والتعبير والتصرف”، ولا يمكن تحقيق تلك البنود فعليًا إلا في إطار سياسة صنع القرار “العلمانية”. ويؤكد البيان على “ضرورة ضمان حماية حقوق الفئات المهمشة والمضطهدة، من خلال إصدار تشريعات صارمة وتنفيذ الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.”

إن البيان ليس مناقشة داخلية بين رجال الدين، بل إنه تحدي أمام الحكومات الإقليمية، والتي تركت المجال مفتوحًا في بعض الحالات أمام الأصوليين الإسلاميين لسرد الروايات السياسية والاجتماعية ما بعد الربيع العربي.

وبنفس الطريقة، يمتلك منصب الباباوية الصلاحية الأخلاقية الكافية للتأثير على السياسات والآراء الواقعة في محيط نفوذه. ويصف منتقدو الكنسية الكاثوليكية في الغرب الكنسية على أنها حارس عتيق للمفاهيم الأخلاقية التي عفا عليها الزمن أيضًا، بدون الالتفات إلى الرسائل الباباوية والتصريحات الخاصة بالتوجهات العلمانية على المستوى السياسي والاقتصادي. إن الشيوعية لم تسقط بفعل القوى الغربية الرئيسية فقط، بل بسبب صراحة البابا “يوحنا بولس الثاني”، والذي كان موطنه تحت وطأة النظام السوفيتي القديم.

إن تغير التوجهات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، بدءًا من اتفاقية سياكيس/بيكو المفككة والفاقدة للمصداقية، وصولاً إلى ظهور الشعبوية في البلدان الغربية الديمقراطية، قد أدى إلى عدم استقرار سياسي واجتماعي غير مسبوق. وتلك هي التحديات المعاصرة. وكما قال أحد الحاضرين في مؤتمر الأخوة الإنسانية، “ما يحدث هنا هو محاولة لإظهار أننا جميعًا في نفس القارب بغض النظر عن تاريخنا الثقافي والديني، فتلك هي القيم التي لا يمكن الاستغناء عنها مطلقًا.

“ولنأمل أن ما نتحدث عنه لا ينتهي هنا”.

AFP PHOTO/GIUSEPPE CACACE