تسعى روسيا والصين الى تحدي النظام العالمي القديم، الا انهم ليسوا الوحيدين في الشرق الأوسط.

فيصل اليافعي

العلاقات بين الدول عادة ما تكون مُقيّدة بمجموعة من القواعد والاتفاقات، وهو ما يُطلِق عليه أصحاب النظريات السياسية “النظام الدولي”، وبصوره عامة، يتم وضع قواعد تلك اللعبة  من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ومُعظم الدول الأخرى تتبع سياسات الدولتين، لكن هذا الاتفاق لم يتم بالإجماع، وقد ظهرت دول تنتهج سياسة التحدي، ورفضت تلك الدول الرضوخ لتلك القواعد، وطالبت بقواعد مختلفة، وفي منطقة الشرق الأوسط فإن تلك الدول تسعى لزعزعة الاستقرار في الدول الأخرى، كما أن تلك الدول قامت بتأسيس نظام عالمي جديد عبر الاستعانة بالدول التي لم تشارك في تشكيل النظام القديم.

وعلى المستوى الدولي فإن تلك الدول هي روسيا والصين، وقد قام المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) بإصدار تقرير الأسبوع الماضي بشان تعريف هاتين الدولتين على أنهما تشكلان التهديد الأكبر للنظام القائم على تلك القواعد، وكما ذكر مدير عام المعهد “جون شيبمان” فإن روسيا والصين  تسعيان لاختبار صبر باقي الدول على الاعتداءات المتنوعة، دون الدفع بتلك الدول لاتخاذ رد فعل عسكري ضد الدولتين (روسيا والصين)، ويصف جون شيبمان تلك العملية ب”حرب الصبر”، كما قام بتحديد عنصرين تعمل من خلالهما روسيا والصين على اختبار حدود ما يمكن أن تقبل به أوروبا والولايات المتحدة وهما الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل.

وقام شيبمان بالتركيز بشكل رئيسي على هاتين الدولتين، لأنهما الأكثر تهديدًا للنظام العالمي القائم على تلك القواعد والذي تعتبر الولايات المتحدة في القلب منه، لكن أيضًا هناك دول تتحدى هذا النظام على المستوى الإقليمي، وتلك الدول لا تكون دائمًا في موضع المتهمين بشكل واضح، وفي الشرق الأوسط هناك دول مثل إيران وسوريا تسعى لتحدي النظام القديم، والتدخُل في شأن الكثير من الدول العربية الموالية للغرب، لكن تلك الدول ليست وحدها، حتى الدول الموالية للغرب مثل تركيا وإسرائيل تسعى لرؤية الانقسام بين الدول العربية، وتلك الدول ترى في زعزعة الفرص الخاصة بالدول العربي تحقيقًا للكفاءة السياسية للدولتين، والمنهج الذي تستخدمه الدولتين ودول أخرى لزعزعة الاستقرار هو منهج شبيه بذلك الذي تستخدمه الدول الكبرى، والواقع أن ذلك يحدث بطريقة توفر قدر معقول من الإنكار من قِبل الدول المتهمة.

وأي تحد للنظام العالمي القائم على تلك القواعد يعُد بمثابة خطر على منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص وذلك لسببين: الأول هو أن العديد من الدول العربية خاصة تلك التي شهدت الربيع العربي بجانب لبنان والعراق هي دول ضعيفة، وبحيث يمكن استثمار الانقسام الداخلي بتلك الدول بسهولة، ومعروف عن إيران وإسرائيل التدخُل في شأن دول الجوار، وكلا الدولتين تسعيان لاستخدام “حرب الصبر”، ونشر الفوضى دون تلقّي رد فعل عسكري من الدول المُستهدفة بتلك الفوضى.

لكن هناك دول أخرى فعلت الكثير في هذا الإطار أيضًا، فهناك المحاولات التركية لتطويق سوريا، والتي تأمل أنقرة أن تدوم طويلًا، وهي شكل من أشكال “حرب الصبر”، وتلك المحاولات تثبت إلى أي مدى تستطيع تركيا تأسيس عدد من الدويلات الصغيرة، وفي بعض الحالات تكون تلك الدويلات على الحدود التركية، حتى ربط تلك الدويلات بالمياه التركية وإمدادات الكهرباء، دون استفزاز دمشق ودفعها إلى الرد عسكريًا على تلك المحاولات.

وسوريا أيضًا فعلت المثل من خلال تورطها في لبنان الذي استمر طويلًا قبل العام 2005، حيث سعت إلى تنفيذ سياستها على الأراضي اللبنانية، وزرع الانقسام بين الفصائل المختلفة، وبحيث يتم إغفال حقيقة أن اللبنانيين قد قاموا بالاتحاد ضد دمشق، وتلك الاستراتيجية شهدت نهاية مأساوية في العام 2005، وذلك حينما أسفر اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري إلى اندلاع مظاهرات واسعة الانتشار أسفرت بدورها عن القضاء على النفوذ السوري بشكل واضح.

لكن هناك سبب آخر قوي يبرر كيف أن “حرب الصبر” تشكل خطرًا داهمًا على الدول في النطاق الإقليمي، ليس فقط فيما يخُص القواعد القانونية التي تظهر أزمتها بشكل غير واضح في العديد من تلك الدول، فالعقد الاجتماعي غير مكتمل أيضًا، وجزء كبير من استقرار الدولة يعتمد على وجود عقد اجتماعي مستقر، وهي طريقة لتنظيم النفوذ الاجتماعي المتنافس بطريقة تتطلّب إلى حد كبير وجود قبول شعبي.

أما الدول التي تعُد في القلب من الثورات الاجتماعية الكبرى، التي نشأت بدورها كنتيجة لاندلاع الثورات (اليمن)، والحرب الأهلية (سوريا)، والغزو الأجنبي (العراق)، أو حتى الانقسامات الداخلية الديموجرافية، والتدخُل الخارجي المتواصل (لبنان)، جعلت من الصعب تأسيس نظام اجتماعي متماسك، دون وجود فكرة أساسية يمكن للمجتمعات المختلفة الاتفاق حولها، وهنا يكون من السهل على كل طرف البحث عن أساليب لكسب النفوذ على المجتمعات الأخرى.

وأحد الأسباب التي تبرر كيف أن القوى الخارجية تسعى لنشر الاضطرابات في المجتمعات التي تتسم بالتعقيد مثل العراق وسوريا، هو اهمال الرمز الخيالي للانقسام القائم على أسباب طائفية، وذلك لأن هناك مناشدة مستمرة من أجل ذلك، وقد أدّى هذا إلى تشعب المشكلة، لكن هذا الأسلوب يعُد غير إنساني بشكل كبير، والدول تتحول إلى أمم بسبب المفاهيم المشتركة الخاصة بهوية تلك الدول، وتلك المفاهيم تشهد تطورًا مستمرًا.

وعلى أي حال، فخلال تطور تلك المفاهيم فإن الأخطاء والجوانب غير المكتملة الخاصة بتماسُك المجتمع تسمح بمساحة من أجل تدخُل القوى الخارجية، وهذا البحث عن التحالفات الغير مألوفة غالبًا ما يتم توجيهه من خارج الحدود، وهناك حزب الله في لبنان، والسُنّة والشيعة والأكراد في العراق، والإخوان المسلمين في مصر، وجماعات أخرى كثيرة، جميعها تبحث عن حلفاء بغرض كسب بعض النفوذ في ظل التطور المستمر الذي تشهده المفاوضات الخاصة بالعقد الاجتماعي.

أما بالنسبة للدول الضعيفة، فإن هذا الأمر يجعلها تشهد حالة متواصلة من زعزعة الاستقرار، كما يسمح بتدخُل القوى الأجنبية، وهو ما يؤدي إلى موقف سياسي ملتهب من الممكن أن يسفر عن اندلاع صراعات بصورة سهلة، ومن ثم فإن هذا الصراع يعمل على منع الدول من أن تشهد الاستقرار، كما يمنع تلك الدول من ممارسة قواعد اللعبة.

وخلال الدراسة التي قام بها “جون شيبمان”، اقترح الرجُل أن الغرب يحتاج إلى التماسُك من أجل مواجهة التهديدات القادمة من روسيا والصين، أما في منطقة الشرق الأوسط، فإن تلك المهمة الخاصة بالتماسُك هي مسألة صعبة للغاية كما أنها غير مكتملة، وما يثير الدهشة هو أن ذلك يعود إلى التدخُل الخارجي على نطاق واسع والغزوات التي تقوم بها الدول الغربية المسئولة عن النظام القديم، وتلك الدول التي قامت بتأسيس النظام القديم داخل حدودها، أحيانًا ما تجد صعوبة في تصدير تلك القواعد إلى الخارج.

AFP PHOTO/TASS Host Photo Agency/Sergei BOBYLYOV