من وجهة النظر الروسية، طالبان شر لا بد منه

نيكولا ميكوفيتش

AFP photo: Wakil Kohsar

تتراءى طالبان في هيئة لاعب مهم في السياسة، ليس فقط في الساحة الأفغانية، بل وفي آسيا الوسطى ايضاً. حيث يخضع جزء كبير من حدود أفغانستان مع طاجيكستان وأوزبكستان لسيطرة طالبان. ولا يمكن لبقية البلاد، بما في ذلك كابول والمدن الرئيسية الأخرى، أن تكون في منأى عن قبضة الحركة. فضلاً عن الانسحاب الوشيك للقوات الأمريكية وقوات الناتو، والذي يدفع روسيا إلى التفكير في احتمالات ما كانت لتخطر على البال، مثل البدء في مفاوضات مع مجموعة طالبان والتي وصفها الكرملين سابقاً بمجموعة الإرهابيين.

ووفق المنظور التقليدي، تقع آسيا الوسطى ضمن دائرة النفوذ الروسي، وهناك على الأقل سببان كبيران لعدم قدرة موسكو التخلي عن تلك المنطقة. أولاً، رغبة روسيا في الاستمرار في تسهيل مشاريع الطاقة في قطاعات النفط والغاز والطاقة الكهرومائية (وجني الفوائد منها). ثانيًا، سعيها إلى  تقوية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU) – وهو مشابه للاتحاد الأوروبي، كما  تأمل أن تشمل بعض دول آسيا الوسطى وخاصة أوزبكستان ، التي تتمتع بموقع استراتيجي واقتصاد كبير نسبيًا وفقًا للمعايير الإقليمية. ووجهة النظر السائدة في الكرملين هي أنه لا يمكن السماح لطالبان – وخاصة فصائلها الأكثر تطرفاً – بتعريض تلك الخطط للخطر.

وحتى تاريخه، اعتادت روسيا على اتخاذ مواقف حازمة تجاه أفغانستان. فبعد فرار أكثر من الف من أفراد الأمن الأفغان إلى طاجيكستان هربًا من تقدم طالبان، أمر الرئيس الطاجيكي ، إمام علي رحمان بأرسال الفي  جندي احتياطي إلى الحدود الأفغانية ووعدت موسكو بتقديم المساعدة “بشكل مباشر وغير مباشر” عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO). وتأسست منظمة معاهدة الأمن الجماعي في عام 1992، وغالبًا ما توصف بأنها نسخة روسية من حلف الناتو، ويلتزم أعضاؤها بالعهد الذي ينص على أن “الهجوم على أحدهم يعد هجومًا على الجميع”. ودعم وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، هذا العهد، معلناً أن موسكو مستعدة لاستخدام قاعدتها العسكرية في طاجيكستان للدفاع عن حلفائها في آسيا الوسطى من أي تهديد صادر عن أفغانستان.

ومع ذلك، يجب التذكر أن الكرملين استخدم نفس تلك العبارات في مايو بعد أن تقدمت القوات الأذربيجانية أكثر من ثلاث كيلومترات داخل جنوب أرمينيا. لكن في تلك الحالة، لم تفعل منظمة معاهدة الأمن الجماعي شيئًا لحماية أرمينيا، وهي أحد أعضائها. كما لم تتدخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي في نزاع ناغورنو كاراباخ الخريف الماضي، مما دفع بعض الأرمن للتساؤل عن جدوى التحالف مع روسيا. وإذا فشل الكرملين في مساعدة طاجيكستان، وهي (العضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي أيضًا) في حال توغلت قوات طالبان، فإن مكانة روسيا في آسيا الوسطى سوف تهتز وبقوة.

ويبدو أن موسكو تأخذ تهديدات حركة طالبان على محمل الجد. ففي عام 2017، زودت روسيا طاجيكستان بالأسلحة الصغيرة ومدافع ودروع ومروحيات وانظمة اتصالات وأنظمة الدفاع الجوي ومعدات صنع الخرائط الطبوغرافية، واستمررت في عام 2019 بتزويدها بأنظمة دفاع جوي بقيمة 9 ملايين دولار. وتوجد أكبر قاعدة عسكرية روسية على أراض أجنبية في طاجيكستان بقوة قوامها ما بين 6000 و7000 جندي مزودة بـ 96 دبابة وثماني طائرات هليكوبتر وخمس طائرات هجومية برية. ومع ذلك، فقد لا يكون ذلك كافياً لصد هجوم جيش طالبان، الذي هو أكبر من القوات المسلحة لطاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان مجتمعة.

ولا يُعد غزو طالبان لأي من جيرانها أمر من المسلمات. ولكن إذا انتصر في أفغانستان، فقد يؤدي ذلك إلى اتحاد روسيا والصين وإيران معًا في “تحالف جديد لمكافحة الإرهاب” لحماية مصالحهم الخاصة في آسيا الوسطى. وهناك أيضًا مسألة جماعة خراسان، وهي فرع من تنظيم داعش، التي تنشط في آسيا الوسطى. وكل هذه العوامل ستمنح روسيا ذريعة لنشر المزيد من القوات في قواعد عسكرية جديدة في البلدان المتاخمة لأفغانستان، وبالتالي زيادة النفوذ الروسي في المنطقة.

ومشكلة روسيا هي أن الولايات المتحدة مهتمة بفعل الشيء نفسه. فقد يأتي زعزعة الاستقرار في المنطقة بالنفع لأمريكا، لأنه سيبقي خصومها روسيا والصين مشغولين في التعامل مع مشاكلهم الخاصة. ومن شأن الاضطرابات في المنطقة أن تهدد مبادرة الحزام والطريق الصينية الطموحة والمكلفة للغاية، وستواجه كل من موسكو وبكين تصاعد الإرهاب الإسلامي ، وتزايد تهريب المخدرات ، وأزمة اللاجئين.

كما أن وجود القوات التركية في أفغانستان يسبب قلقاً لروسيا، خاصة إذا سمحت طالبان لها بالبقاء والسيطرة على مطار كابول. كما أن تركيا حريصة على إقامة تعاون عسكري وسياسي مع طاجيكستان وقيرغيزستان وتركمانستان – وجميع الجمهوريات السوفيتية السابقة التي ظلت في مجال النفوذ الروسي – ويمكن أن تستخدم أفغانستان كنقطة انطلاق لأنشطتها في آسيا الوسطى.

لكن التهديد الأكبر للهيمنة الروسية في المنطقة هو عدم استقرار أفغانستان، وهذا هو السبب في عقد العديد من الاجتماعات بين طالبان والمسؤولين الروس في موسكو. وموقف وفد طالبان (علنًا على الأقل) هو أنه يريد علاقات جيدة مع روسيا، بينما تريد روسيا ضمانة موثوقة بعدم انتشار الإسلام المتشدد في آسيا الوسطى. والتسوية العملية مع طالبان هي أفضل، وربما الطريقة الوحيدة لتأمين هذا الضمان. وبعد كل ذلك، فإن تكرار غزو الاتحاد السوفيتي المحكوم عليه بالفشل في أفغانستان بين عامي 1979 و1985 أمر مستبعد تماماً.

إن القول بأن هناك ثقة متبادلة بين الكرملين وطالبان فيه الكثير من المبالغة، ولكن طالما ظلت طالبان متمسكة بتدعيم سلطتها داخل أفغانستان، فإن موسكو مستعدة للتعامل معها على أنها شر لا بد منه.

نيكولا ميكوفيتش محلل سياسي في صربيا. يركز عمله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا ، مع اهتمام خاص بالطاقة و “سياسات خطوط الأنابيب”