الغزو الروسي لأوكرانيا هو أمر لا مفر منه

نيل هاور

Image courtesy of Alexy Nikolsky / Sputnik / AFP

تعلقت الآمال في الشهر الماضي على تراجع روسيا ورئيسها، فلاديمير بوتين، عن السعي وراء تحقيق الأهداف الكبيرة بشأن أوكرانيا على الرغم من الأدلة المتزايدة التي تشير إلى ضعف تلك الآمال.

ومع حشد ثلاثة أرباع القوة العسكرية لروسيا على حدود جارتها الواقعة في جهة الجنوب غرب، كان أيضاً من المستبعد الاعتقاد أن موسكو ستشن هجومًا ساحقًا وواسع النطاق على أوكرانيا.

ولكن تغير كل ذلك يوم الاثنين، حين ألقى بوتن خطاباً جنونياً لمدة 50 دقيقة والذي كان مخيفًا في مستوى حدته، ووصل بوتين إلى نقطة الّاعودة، مشيرًا بوضوح إلى نواياه في استخدام القوة العسكرية الهائلة في أوكرانيا وإطلاق سلسلة من الأحداث لا يمكن التراجع عنها.

وجاء في نهاية خطاب الرئيس الروسي المخرجات الرئيسة: حيث أعلن بوتين أن روسيا ستعترف رسميًا باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين، وهما دولتان منفصلتان أنشأهما عملاء روس في جنوب شرق أوكرانيا قبل ثماني سنوات، وستضمن روسيا أمنهم بموجب اتفاقيات الدفاع المشترك.

ويكمن الأمر الأكثر خطورة في اللغة المختلة التي استخدمها بوتين في حديثه حول أوكرانيا، وهي لغة تاريخية زائفة، ولأكثر من نصف ساعة أوضح فيها الزعيم الروسي أنه يعتقد أن أوكرانيا بلد مزيف لا يملك سيادة أو حتى الحق في الوجود.

وكعادته بدأ بوتن بدرس تاريخي طويل، وصف فيه لأول مرة كيف لم تظهر أوكرانيا إلى حيز الوجود إلا في عام 1920 عند “إنشاء البلاشفة” وعلى وجه الخصوص أثناء تأسيس الاتحاد السوفيتي “فلادمير لينين”. ولعن جحود الأوكرانيين مقابل كل ما فعلته روسيا من أجلهم، خلال الفترة السوفيتية وبعدها، حيث قاموا برد الجميل عن طريق “الخيانة من خلال خدمة الغرب”. وبالإشارة إلى عملية التطهير في أوكرانيا، والتي تم من خلالها إزالة رموز الحقبة الشيوعية بشكل منهجي من البلاد على مدى السنوات الثماني الماضية، أصدر بوتين تهديداً واضحاً، متسائلاً فيه، “هل تريدون التخلص من ميراث الاتحاد السوفيتي؟ إذا سوف نريكم كيف تقوم بالتخلص من الميراث السوفيتي”.

وأنهى خطابًا طويلاً ضد “التعزيزات العسكرية الأوكرانية التي ترعاها الولايات المتحدة”، معلناً أنه “لا يمكن تحقيق أمن دولة ما على حساب دولة أخرى” وقصد في تلك الحالة روسيا – واتهم الولايات المتحدة بوضع “صواريخ الضربة الأولى” في البلاد في اتجاه روسيا.

وعلى مدار ما يقرب من ساعة، أوضح بوتين رؤيته الحقيقية لأوكرانيا، ولم يذكر جمهوريتي “دونيتسك” و”لوهانسك” الانفصاليتين إلا في اللحظات الأخيرة من الخطاب، وهما الجمهوريتان اللتان يفترض أنهما في قلب الأزمة الحالية، وبدلاً من ذلك، بذل بوتين قصارى جهده ليوضح أن أوكرانيا لا أساس لها، وهي دولة مزيفة، وهدفها الوحيد اليوم هو أن تكون منصة انطلاق للمحاولات الأمريكية لتدمير روسيا. وحسب ذلك النموذج، فأي استجابة لها ما يبررها.

ونحن الآن في المراحل الأولى من تلك الاستجابة، فباعترافه بالجمهوريات العميلة، نسف بوتين العملية الدبلوماسية التي كانت تمشي على قدم واحدة حتى هذه اللحظة، وقد دمر ذلك الاعتراف اتفاق مينسك بشكل كامل، وهو الإطار السياسي لعام 2014 الذي تم بموجبه الالتزام بوقف غير كامل لإطلاق النار خلال السنوات السبع الماضية. ولا يمكن أن يكون هناك عودة أو تراجع عن تلك الخطوة، التي أدت على الفور إلى فرض عقوبات غربية جديدة وعصفت بسوق الأوراق المالية والعملة الروسية في عرض أولي للألم الاقتصادي الذي سيتحمله الشعب الروسي من أجل سعي بوتين للتعامل مع ما يراه هو وزمرته كتهديد وجودي.

كما أدى الاعتراف إلى تفعيل المراحل التالية من خطة روسيا، حيث اجتمع مجلس الاتحاد الروسي، وتحديداً مجلس الشيوخ بالبرلمان، يوم الثلاثاء في جلسة استثنائية لمناقشة طلب بوتين استخدام القوة العسكرية في الخارج، وتمت الموافقة على ذلك الطلب، في خطوة تمنح تفويضًا قانونيًا للرئيس الروسي لنشر القوات المسلحة في البلاد للدفاع عن جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك “كضامنين للأمن”. وصرح بوتين بعد ذلك بأن اعتراف روسيا يستلزم الحدود المعلنة الكاملة للدولتين، حيث يخضع ثلثاها حاليًا للسيطرة الأوكرانية، وكل ذلك يعني أن ما تبقى من ولايات لوهانسك ودونيتسك الأوكرانية ستتعرض لهجوم روسي، ويمكن استخدام أي مقاومة ضدها بسهولة لتبرير عملية روسية أكبر بكثير في أوكرانيا.

والأهم من ذلك هو أنه لا يمكن حل مشاكل بوتين الأساسية مع أوكرانيا من خلال عملية عسكرية محدودة تقوم فقط بإدخال القوات الروسية رسميًا في جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك، أو اقتطاع المزيد من الأراضي لهم على الحافة الشرقية لأوكرانيا. فقد أوضح هو ودائرته الداخلية بشكل واضح خلال مسرحية مجلس الأمن للرئيس أنه لا يمكن السماح لأوكرانيا بمواصلة وجودها في شكله الحالي، وأنه لا يوجد ثمن لا يمكن روسيا دفعه في سعيها لتحقيق ذلك الهدف. كما كتب “مايكل كوفمان” و”جيفري إدموندز” في مجلة “فورين أفيرز” يوم الاثنين، ليس هناك فرصة للقوات المسلحة الأوكرانية لصد روسيا إذا وقع التقدم. وسيرى العالم مشاهد “الصدمة والرعب” إذا ما حدث غزو واسع النطاق.

لا يزال الكثير يعتقد أن حربًا ضخمة في أوروبا في عام 2022 هو بالأمر المستبعد، لكن تقريبًا كل مرحلة من مراحل التعزيز العسكري الحالية وسلوك روسيا كانت أحداث غير مسبوقة، ومن المرجح أن تكون خطواتهم التالية غير مسبوقة أيضًا.

وفي الأيام القليلة المقبلة، من الأفضل لنا جميعًا أن نتذكر العبارة الأكثر خطورة في خطبة بوتين: “نحن (روسيا) لدينا كل الحق في اتخاذ كافة التدابير لتعزيز أمننا، وذلك ما سنقوم بفعله “.

  

نيل هاور هو محلل أمني يعمل حاليًا في كييف، أوكرانيا، وعادة ما يكون مقره في تبليسي، جورجيا، ويركز عمله، على السياسة والأقليات والعنف في القوقاز مع تغطية قضايا أخرى.