قد تكون نقطة الانهيار الروسية في أوكرانيا أقرب مما نظن

نيل هاور

Image courtesy of Nikolay Doychinov / AFP

إن القول بأن الغزو الروسي لأوكرانيا لم يسير وفقًا للخطة المرسومة هو ليس بالقول الجديد في هذه المرحلة.

فبعد مضي شهرين ونصف من شن القوات الروسية هجومًا واسع النطاق على جارتها في جهة الجنوب غرب، لم يسفر ذلك الهجوم عن أي نتائج تُذكر، فقد تم التخلي عن حملة هجوم استمرت ستة أسابيع للاستيلاء على العاصمة كييف في أوائل شهر أبريل، مع خسائر فادحة في الأرواح والأموال. وقد جلبت الجهود التي أعيد تركيزها في شرق أوكرانيا القليل من المكاسب، ولكنها كانت ذات كلفة باهظة، فضلاً عن وجود نكسات كبيرة مثل غرق أسطول البحر الأسود الروسي، وحتى في قمة الهرم بدأوا في الاعتراف علانية بالصعوبات الخطيرة التي يوجهونها، فقد اعترف الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، والذي يعد حليف قوي لبوتين، في 5 مايو أن الهجوم “لم يكون” كما كان متوقعًا.

وهناك الكثير من الأسباب التي قد تحثنا على الاعتقاد بأن الوضع سوف يصبح أسوأ في القريب العاجل بالنسبة لروسيا، فمن المعقول جدًا خلال الأسابيع القليلة المقبلة، أن يتحول الزخم لصالح الجانب الأوكراني، مما يتيح بدء استعادة الأراضي التي قد تشهد دفع الوحدات الروسية المنهكة إلى نقطة الصفر وحتى الانهيار.

وقد مرت ثلاثة أسابيع تقريبا على هجومها القوات الروسية في دونباس، وتم الإعلان عن أن هذه العملية هي تتويج لجهود موسكو في الحرب التي تشنها، والتي هدفت إلى سحق القوات الأوكرانية في شرق البلاد، وتطويق وتدمير جزء كبير من جيش كييف وفتح الباب لمزيد من الفتوحات الروسية في قلب أوكرانيا. واحتشدت القوات الروسية حول شمال وجنوب المواقع الأوكرانية في دونباس، معززة بكل من الوحدات الجديدة وكذلك الوحدات المعاد تشكيلها التي انسحبت من شمال أوكرانيا، وحاولت اختراق الدفاعات الأوكرانية في سلسلة من الهجمات الجماعية.

ومع ذلك، لم يكون الهجوم نفسه حاسمًا على الإطلاق، فقد تحركت الوحدات الروسية بخطى ثقيلة، بينما تم دعم التشكيلات المدرعة بشكل مناسب من قبل المشاة في كثير من الحالات، على عكس الأسابيع الأولى للحرب، والذي بدوره خلق نجاح متواضع على الأرض. حتى في منطقة “إيزيوم” وهي مدينة السكك الحديدية، حيث ركزت روسيا 22 كتيبة تكتيكية من إجمالي 168 كتيبة  وهي(التشكيل القتالي الروسي الرئيسي)  واقتصر التقدم ربما على 30 كيلومترًا من الأراضي الزراعية المفتوحة في الجنوب. وعلى مدار أكثر من أسبوعين، استولى التقدم الروسي بأكمله على عدد قليل من القرى غير المهمة استراتيجيًا، بينما تكبد خسائر فادحة بفضل الأسلحة الثقيلة الأوكرانية.

وبينما قد تفضل موسكو تحويل ساحة المعركة بالكامل إلى دونباس، لكن أوكرانيا لها رأي مخالف، فعلى مدار الأسبوع الماضي، حققت القوات الأوكرانية مكاسب كبيرة على مشارف مدينة خاركيف، وهي المدينة الرئيسية في شمال شرق البلاد حيث كانت القوات الروسية تتوغل في مواقع دفاعية، وبعد تجريدها من جزء من قوتها لتعزيز حملة دونباس، أثبتت الوحدات الروسية المتبقية أنها غير كافية للصمود، وبحلول تاريخ 2 مايو تم طرد تلك القوات من قرية ستاري سالتيف، على بعد 40 كيلومترًا شرق مدينة “خاركيف” ومن على ضفاف نهر “سيفيرسكي دونيتس”، فقد حولت التعزيزات الأوكرانية التي قدمت من كييف وأماكن أخرى والتي بدأت كعملية لتخفيف الضغط عن المدينة إلى حملة تهدد الآن جناح القوات الروسية وخطوط الإمداد لعمليات روسيا في “إيزيوم”.

إن الضغط المفرط للقوات الروسية الذي ألمحت إليه حملة” خاركيف” هو أكثر خطورة عندما يتم الأخذ في عين الاعتبار الوضع ككل، فقد وظفت روسيا ثلاثة أرباع قواتها البرية الدائمة بأكملها في الغزو الأولي لأوكرانيا في تاريخ 24 فبراير، حيث أشركت كل تلك الوحدات في البلاد في غضون أسبوعين، وبمجرد توقف التقدم، بدأت موسكو بعد ذلك في حشد ما يمكنها حشده من وحداتها الأخرى، وسحبت القوات من أماكن بعيدة مثل القواعد في طاجيكستان وأوسيتيا الجنوبية ومُعزل كالينينغراد على بحر البلطيق، ولكن ببساطة، ليس هناك المزيد من القوات المحترفة التي يمكن سحبها مع الحفاظ على أي مظهر من مظاهر القوة على طول الحدود الشاسعة لروسيا.

وفي أثناء ذلك تشهد أوكرانيا عكس ما تشهده القوات الروسية، حيث تتواصل عمليات نقل المعدات العسكرية الثقيلة والمتقدمة إلى أوكرانيا بوتيرة سريعة، مما يعزز قوتها الفتاكة ونطاق قدرات كييف بشكل شبه يومي، وسلمت الولايات المتحدة ما يقرب من 90 مدفع هاوتزر من طراز” م777″ إلى أوكرانيا في الأسابيع الثلاثة الماضية، بالإضافة إلى تدريب جنود أوكرانيين على استخدامها، كما تم تسليم مئات الطائرات بدون طيار مثل “سوتشبليد” و “فونكسقوست”  القادرة على ضرب أطقم الطائرات الروسية من على مسافة 20 كيلومترًا أو أكثر، وفي الأسبوع الماضي فقط ، نقلت بولندا 230 من دباباتها من طراز T-72 العائدة إلى الحقبة الشيوعية إلى أوكرانيا، ويقول محللون إن كييف تمتلك الآن دبابات على الأراضي الأوكرانية أكثر مما تمتلكه موسكو، كما وصل آلاف المتطوعين الأجانب للقتال إلى جانب القوات الأوكرانية، ومعظمهم من العسكريين ذوي الخبرة. من شبه المؤكد أن الجيش الأوكراني أفضل تسليحا وأكثر قدرة الآن مما كان عليه يوم الغزو الروسي، وهي حقيقة مدهشة بعد مضي 70 يومًا من الحرب الشاملة.

ومن الواضح أن أوكرانيا تزداد قوة، في حين أن موقف روسيا يزداد ضعفاً، ولا توجد طريقة سريعة أو فعالة لموسكو لعكس هذا المسار، وبينما يتكهن البعض بأنه عندما تحتفل روسيا بانتصارها في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا النازية في تاريخ 9 مايو، فإنها قد تستخدم تلك المناسبة لإعلان الحرب على أوكرانيا والتعبئة الكاملة، لكن مثل تلك العملية ستستغرق شهورًا لتوفير قوة بشرية، ناهيك عن المخاطر السياسية.

تعاني القوات المسلحة الروسية الأمرين في شرق أوكرانيا أمام مرأى ومسمع من العالم بأسره، وليس هناك الكثير مما يمكن أن يغير هذا المصير، ناهيك عن توفير أي نوع من التقدم أو الانتصار الإضافي لموسكو، ومع تكبد الجيش الروسي لخسائر فادحة في كل أسبوع، قد تكون نقطة الانهيار للتشكيلات الروسية والتي سيتبعها الهزيمة والانهيار أقرب مما نظن.

 

نيل هاور هو محلل أمني يعمل حاليًا في كييف – أوكرانيا، وعادة ما يكون مقره في تبليسي – جورجيا، ويركز عمله على السياسة والأقليات والعنف في القوقاز، مع قضايا أخرى.