الغزو الروسي لأوكرانيا يزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط

دنيانيش كامات

Image courtesy of Maxim Shemetov / Pool / AFP

للغزو الروسي لأوكرانيا أثر مُزعزِع للاستقرار في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من رجوع موسكو مؤخرًا في تهديداتها بالإطاحة بالاتفاق النووي الإيراني — المعروف رسميًّا بخطة العمل الشاملة المشتركة، فإنها تواصل إعاقة أي تقدّم في هذا الشأن انتقامًا من العقوبات المفروضة عليها بسبب أنشطتها العسكرية. وهذا بدوره يدفع إيران للرد بالمثل.

ففي 10 مارس، أعلنت قوات حرس الثورة الإسلامية الإيرانية مسؤوليتها عن هجمات الصواريخ الباليستية التي استهدفت منشآت دبلوماسية أمريكية في أربيل شمال العراق بحجة أن الأهداف كانت جزءًا من “مركز استراتيجي” إسرائيلي. وبينما اُعتبِرت تلك الهجمات بوجه عام تحذيرًا للحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق بعدم دعم حكومة مقتدى الصدر في بغداد التي تستبعد حلفاء إيران من الشيعة، كانت طهران ترسل أيضًا رسالة مفادها أنها لن تنتظر إلى الأبد تحقيق المفاوضات النووية لنتائج.

ومما يزيد من خطوة الموقف أن إيران أقرب من أي وقت مضى إلى القدرة على الاختراق النووي. فيزيد ذلك الضغط على إسرائيل للتدخل عسكريًّا لمنع إيران من الوصول إلى نقطة اللاعودة. وفي 15 مارس، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إنه “تلقى ضمانات مكتوبة” من الولايات المتحدة بأن تجارتها مع إيران لن تخضع للعقوبات المتعلقة بأوكرانيا. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يسمح هذا بمواصلة محادثات خطة العمل المشتركة الشاملة. ولكن كلما طال الوقت الذي تستغرقه القوى العالمية لإبرام الصفقة مع إيران، زاد احتمال استمرار التوترات بين إيران وخصومها الإقليميين.

علاوة على ذلك، إذا طوى النسيان الصفقة النووية تدريجيًا، كما يخشى المسؤولون الأمريكيون الآن، فإن الآثار الإقليمية المتتالية ستكون فادحة. على سبيل المثال، من المرجح أن يُصعِّد وكلاء طهران هجماتهم ضد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، إذا لم تُحذَف قوات حرس الثورة الإسلامية الإيرانية من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية. فكان هذا أحد المطالب الرئيسية لطهران في مناقشات خطة العمل المشتركة الشاملة. وإذا لم يتحقق ذلك، فستستهدف طهران موقف المستثمرين من الإمارات والسعودية وتعيق قدرة البلدين على تصدير النفط.

إلى جانب هجمات الصواريخ الباليستية على أربيل، علَّقت إيران أيضًا المحادثات الجارية مع المملكة العربية السعودية التي كانت تلعب فيها العراق دور الميسِّر. وصارت إيران تتفاوض بوحشية. ففي يناير، هاجم الحوثيون المدعومون من إيران مواقع استراتيجية في الإمارات بطائرات مُسيَّرة وصواريخ. وفي 19 مارس، هاجم الحوثيون منشأة نفطية، ومحطة تحلية مياه، ومحطة كهرباء في جنوب السعودية. في الوقت نفسه، رفض الحوثيون أيضًا المحادثات التي توسطت فيها دول مجلس التعاون الخليجي بشأن قضية اليمن، والتي كان من المقرر عقدها في الرياض هذا الأسبوع. فيوم الجمعة، شن الحوثيون موجة من الهجمات بطائرات مُسيَّرة وصواريخ على منشآت نفطية سعودية، من بينها موقع تخزين لشركة أرامكو في جدة. وتصاعدت أعمدة الدخان فوق المدينة حيث كان سائقو الفورمولا 1 يتدربون على سباق الجائزة الكبرى في السعودية.

ثمة طرق عديدة أخرى يهدد بها الغزو الروسي لأوكرانيا بزعزعة استقرار المنطقة. بادئ ذي بدء، يمكن أن يعرض هذا الغزو الحكومة الائتلافية الهشة في إسرائيل للخطر. فعلى الرغم من العلاقات الدينية والثقافية مع أوكرانيا، حافظت إسرائيل لزمن طويل على علاقات جيدة مع روسيا ولم تدن حتى الآن الهجوم الروسي. وإنما سعت إلى إيجاد توازن بين واشنطن وموسكو. وبموافقة ضمنية من الكرملين، تشن إسرائيل عمليات قصف جوي للميليشيات الإيرانية في سوريا. وجاءت هجمات الصواريخ الباليستية على أربيل من جانب قوات حرس الثورة الإسلامية الإيرانية بعد أيام قليلة من قتل إسرائيل لاثنين من أفراد هذه القوات في سوريا.

لكن موقف إسرائيل غير المحدد من الأزمة الأوكرانية يخضع للاختبار. فوزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس وزراء إسرائيل المناوب، انحرف انحرافًا ملحوظًا عن الموقف الرسمي الإسرائيلي من الحرب؛ إذ صرح في منتصف مارس أنه “لا يوجد مبرر” للغزو الروسي لأوكرانيا، في حين حث رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت الوزراء على التزام الصمت بشأن هذا الموضوع. وفي حال انهيار الحكومة الائتلافية، يمكن أن يمهد ذلك الطريق لعودة ظهور بنيامين نتنياهو رئيسًا للوزراء، والذي سيتبع سياسة أكثر تشددًا تجاه إيران.

يمكن للغزو الروسي أيضًا أن يمنح داعش فرصة مثالية لإعادة تنظيم صفوفه وإحداث فوضى في المنطقة.

هذا ونظرًا لأن موسكو قررت استرداد دينها من نظام الأسد من خلال التخطيط لنقل آلاف السوريين جوًا إلى ساحة القتال في أوكرانيا، تلقى الجيش السوري ضربة في الداخل. فتشير بعض التقارير إلى أن ما يصل إلى 40 ألف سوري سجلوا أنفسهم للقتال في أوكرانيا، وهو ما يُعَد نسبة كبيرة من قوات نظام الأسد. وشمل ذلك، بحسب ما ورد في التقارير، الفرقة الرابعة المميزة التي تدربت في موسكو ويقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الأسد. ورغم أن ذلك لن يعرض بالضرورة سيطرة النظام على دمشق للخطر، فإنه قد يخلق فراغًا في السلطة في مناطق أخرى.

أخيرًا، دعونا لا ننس أن دولًا مثل مصر والمغرب وتونس من المرجح أن تشهد استياءً متزايدًا قبل رمضان نظرًا لزيادة فاتورة وارداتها الغذائية بسبب الحرب الروسية. فقبل أسابيع فقط من بداية الشهر الكريم، سارع المستهلكون في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تخزين القمح بسبب الضربة المزدوجة لنقص الواردات وارتفاع تكاليف النقل. ومن ثم، قد تواجه الأنظمة في كل هذه البلدان اندلاعًا محتملًا “لانتفاضات خبز”، ما يؤدي إلى تكرار احتجاجات الشبيهة بالربيع العربي في جميع أنحاء المنطقة.

لا شيء من كل ذلك حتمي. ولكن بينما يركز العالم على تأثير الغزو الروسي لأوكرانيا على أوروبا، من المهم أيضًا تقييم وتخطيط تأثيره على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

ديانيش كامات محلل سياسي يركز على قضايا الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم استشارات كذلك في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للهيئات الحكومية والقطاع الخاص.