ما أعلنته روسيا مؤخرًا عن انتصارها في سوريا هو صدى لما حدث في الحقبة السوفيتية

نيل هاور

AFP photo/TASS Host Photo Agency/Kirill Kukhmar

أطلقت روسيا مؤخرًا أحدث احتفالاتها بالانتصار في سوريا. وكجزء من عطلة “المدافعين عن أرض الآباء”، دشن المسؤولون في “23” فبراير قطار “غنائم الحرب في سوريا” في موسكو. وسيتجول هذا القطار داخل البلاد لعدة مرات خلال الشهرين القادمين ، ويضم هذا القطار أكثر من “500” قطعة حربية اغتنمها الروس أثناء حملتهم العسكرية في سوريا، حيث يغطي “29” ألف كيلومتر، ويتوقف في أكثر من 60 مدينة. ويشكل هذا المعرض أول حدث رئيسي ينظمه أحدث فروع القوات المسلحة الروسية، وهو الأمانة السياسية العسكرية الرئيسية، وهو قسم جديد للعلاقات العامة إبان الحقبة السوفيتية. وبقدر ما كان الاحتفال بالاتحاد السوفيتي القديم أمرًا مناسبًا، نجد أن قليلاً من الاحتفالات الروسية بشأن سوريا يرتبط بالواقع.

وهذه هي المرة الرابعة على الأقل التي تعلن فيها موسكو “النصر” أو الانسحاب من سوريا منذ دخولها المباشر في النزاع عام 2015. وفي مارس 2016، أعلن فلاديمير بوتين انسحاب واسع النطاق للقوات الروسية من سوريا، وبعد ذاك بمدة قصيرة، أقامت روسيا في مدينة تدمر، والتي أعادة روسيا السيطرة عليها في مايو (وكان تنظيم الدولة داعش قد سيطر عليها مرة أخرى قبل نهاية العام). وفي زيارته إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية على الساحل السوري في شهر ديسمبر / كانون الأول عام 2017، أعلن “بوتين” مرة أخرى “انتصاره” في سوريا، في حين أنه أعلن في يونيو عام 2018 أن العشرات من الطائرات وأكثر من 1000 جندي (من أصل ما مجموعه 5000 جندي تقريباً) قد تم سحبهم من سوريا.

ولم تعكس أي من هذه الأحداث تقريبًا حقيقة الوضع على الأراضي السورية، أو أن الصراع قد وصل بالفعل إلى نهايته. وقد يكون الاستثناء الوحيد هو الإعلان الصادر في ديسمبر 2017، ومفاده أن الحملة التي يشنها النظام السوري ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في شرق سوريا قد بلغت منتهاها. وليس هناك أي نجاح في تخليد اللحظة الراهنة. وفي الواقع، وتواجه روسيا نفس المعضلات التي واجهتها في سوريا على مدار الأشهر الستة الماضية، فما هو الوضع حيال إدلب ومنبج.

وفي كلتا الحالتين، تتعارض أهداف روسيا مباشرة مع الطرف الاخر المشارك في النزاع، وهي دولة تركيا. وأكدت موسكو مراراً وتكراراً أنه لا يمكن القبول بوجود الإرهابيين” في إدلب، وأن الكرملين لن يخفي رغبته في أن يرى معظم المحافظات السورية في قبضة النظام السوري مرة أخرى. وكانت روسيا قد سعت من أجل وضع حل مماثل في “منبج”، وذلك مع استبدال القوت الكردية بالقوات الحكومة السورية والشرطة العسكرية الخاصة بها، بيد أنه لم يحدث أي تقدم تقريبًا مع أنقرة بخصوص أيٍ من الأمرين، بالرغم من المحادثات التي استغرقت شهور عدة.

ومهما كان الأمر، فيبدو أن مشاكل روسيا في سوريا في الوقت الحالي تتضاعف ولا تنحسر. وهناك تقارير متزايدة تتحدث عن اشتباكات بين روسيا والقوات السورية المدعومة من إيران منذ مطلع هذا العام، حيث يعاني الجانبان من اضطراب غير مسبوق في علاقتهما، وهو تطور يزيد من ضعف موقف موسكو أمام أنقرة.

ويحتمل أن يكون التمرد المتزايد في “درعا” هو الحدث الأكثر شؤمًا وتهديدًا للنظام السوري، وذلك بسبب ما شهدته المنطقة على مدار الثلاثة أشهر الماضية من قتلٍ لعناصر الجيش السوري، و استهدفت سيارات النظام بالعبوات الناسفة. وفي الوقت نفسه، كشف التهديد المتراجع الذي يشكله التمرد النقاب عن استياء كبير من حكومة بشار الأسد داخل الدوائر الانتخابية الأساسية، بالإضافة إلى تزايد الاستياء من الوضع الاقتصادي الذي لا يزال يتفاقم وسط الفساد الصاخب للنخب الانتهازية.

ولا شيء من هذه الدلالات تبعث موسكو على التفاؤل. ومع ذلك، يشعر “بوتين” بوضوح أنه من الواجب عليه إخبار الناخبين المحليين أنه يحقق نجاحًا ملحوظًا في صراعه في سوريا، وأن هذا الصراع يقترب من نهايته. ومنذ أن أعلن الرئيس الروسي في شهر يونيو الماضي عن إجراء إصلاح شامل في نظام المعاشات رغم رفضه من العامة، وشعبية الرئيس الروسي في تراجع. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن عدم الرضي الرئيس الروسي مؤخراً قد بلغ أقصى مستوى له منذ  توليه السلطة لأول مرة في عام 2000، حيث بلغت نسبة غير الراضين عن أداء الرئيس الروسي في الوقت الحالي “35%” من الشعب.

ويشعر عامة الشعب الروسي بالاستياء والمعاناه على نحو متزايد بسبب المغامرات الخارجية في ظل الركود أو التدهور الاقتصادي داخل البلاد: وكان رد فعل وسائل التواصل الاجتماعي على “قطار غنائم الحرب في سوريا” مفعمًا بالتعقيبات الساخرة ومفادها أن القطار “يجب أن يقدم طعام مجاني” بدلاً من تسميته بهذا الاسم. وانقضت ثلاث سنوات ونصف من نشرات الأخبار الليلية والتي تبث للشعب الروسي أخبار عن مقتل مائة إرهابي آخر في سوريا.

وقد كان هناك جانب آخر من الانتصار الأخير لروسيا لكنه لم يحظى بكثير من الاهتمام، رغم أنه قد يكون أكثر إثارة للاهتمام. ففي 21 شباط / فبراير، زار “صلاح حاجي مجيدوف”، مفتي الجمهورية الشيشانية، مسجد خالد بن الوليد في حمص بسوريا للاحتفال بإعادة افتتاح المسجد. والمسجد هو أحد المسجدان اللذان أُعيد إعمارهما بتمويل من مؤسسة “أحمد قديروف” التابعة للحكومة الشيشانية، وهي إحدى الوسائل المتعددة التي يشارك فيها هذا الإقليم المسلم السني التابع لروسيا في جهود العلاقات العامة التي تبذلها موسكو في سوريا.

وقد التقى “مجديدوف” مع شخصيات حكومية من بينها وزير الأوقاف السوري، وأشار “مجيدوف” خلال هذا اللقاء إلى أن إعادة تأهيل المسجد الثاني، وهو الجامع الأموي في حلب، قد شارف على الانتهاء. وهناك سبب للاعتقاد بأن هذا الحدث سيشهد زيارة رفيعة المستوى من قبل الزعيم الشيشاني، رمضان قديروف، والذي أعلن مؤخرًا عن نيته لزيارة سوريا. وتتوافق محاولات الشيشان لوضع نهاية للصراع على الأراضي السورية مع جهود موسكو على الجبهة الداخلية.

وبغض النظر عن الرواية، فان هناك مؤشرات على أن موسكو تستعد بهدوء لهذه المهمة الشاقة. إن ما حدث مؤخرًا من نشر قوات إضافية من الشرطة العسكرية في “منبج” يشير إلى رغبة موسكو في فرض المزيد من السيطرة على الأرض، وهي إستراتيجية قد تسهل على النظام السوري والأكراد إبرام المزيد من الاتفاقيات في ظل سحب الولايات المتحدة لقواتها، كما أن إقامة روابط إضافية مع تشكيلات النظام، كالفيلق الخامس، تمثل استثمارًا طويل الأجل.

فقد يرغب “بوتين” في الخروج من سوريا، بيد أن سوريا لا تريد له الخروج.