لا يزال الجيش الروسي على أهبة الاستعداد لمهاجمة أوكرانيا من ثلاث جهات

نيل هاور

Image courtesy of Sergey Bobok / AFP

إذا شاهدت التلفزيون خلال الشهر الماضي، فربما تكون على دراية بأن روسيا حشدت حشودا عسكرية هائلة على مشارف حدودها مع جارتها أوكرانيا، وقد تم إرسال آلاف الدبابات الروسية والمدفعية والمركبات العسكرية الأخرى من أماكن بعيدة مثل المحيط الهادئ إلى مناطق تمركز في جنوب غرب روسيا وبيلاروسيا، وبحسب بعض الروايات، فإن 70 في المئة من مجمل القوة العسكرية الروسية جاهزة الآن لضرب أوكرانيا في غضون أيام، في حال صدور الأوامر بذلك. وتمتلك موسكو في المنطقة 170.000 جنديا محترفاً على طول الحدود المتاخمة لأوكرانيا، ناهيك عن ميليشيات الحرس الوطني ووحدات الدعم.

وهناك دلائل على أن فرضية شن عملية كبيرة قد لا يكون احتمالاً قائماً كما كان يُعتقد في السابق، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية يوم الثلاثاء أن بعض وحداتها العسكرية في بيلاروسيا قد أنهت التدريبات وستنسحب من تلك الأماكن، لكن في الجانب الآخر، قال الرئيس الأمريكي جو بايدن إن الانسحاب لم يتم التحقق منه وأن القوات الروسية لا تزال في وضع تهديدي، ولا يزال الهجوم “محتملاً للغاية”.

ومع مثل هذا الحشد الهائل للقوة العسكرية في تلك المنطقة الواسعة، فهناك بعض الأهداف التي من المرجح مهاجمتها من قبل الروس في حالة نشوب حرب.

ويتواجد عدد كبير من قوات الاحتياط الروسية في بيلاروسيا، حيث أجرى الحليفان مناورات حربية مشتركة لمدة عشرة أيام، والتي سُميت ” عزم الحلفاء 2022″ وشملت تلك المناورات الجيش الموحد الخامس والثلاثين والذي يُرمز له بـ(سي آي آي) في جنوب وسط بيلاروسيا والفرقة الخامسة والفرقة السادس والثلاثين بالقرب من مدينة “جوميل” في جمهورية بيلاروسيا، ويوجد أيضًا في جوار تلك المنطقة فرقة الواحد والأربعين لـ”سي آي آي” ، وفرقة الدبابات 90، الواقعة بجوار الحدود في روسيا. وفي حالة وقوع هجوم شامل، فهذه هي الوحدات التي من المحتمل أن تتحد في رحلة إلى العاصمة الأوكرانية، كييف، والواقعة على بعد 80 كيلومترًا فقط من الحدود الروسية، كما لا توجد عقبات طبيعية رئيسية تقف في طريق الجيش، والمستوطنة المهمة الوحيدة بين العاصمة والحدود هي مدينة “تشيرنيهيف” على الضفة اليسرى لنهر “دنيبر”. وإذا صدر أمر بشن هجوم، فإن كمية هائلة من نيران المدفعية والصواريخ الموجهة ستسبق الزحف، وذلك من خلال توظيف المزايا الرئيسية لروسيا في مجال الأسلحة الثقيلة قبل بدء الهجوم البري.

وإلى الشرق، احتشدت القوات الروسية أيضًا بالقرب من مدينة “بيلغورود” على بعد حوالي 15 كيلومترًا من الحدود الشمالية الشرقية لأوكرانيا. وتشمل الوحدات هنا فرقة السادس من “سي آي آي”  وجيش دبابات الحرس الأول، وهو تشكيل اشتهر بعملياته في نفس المنطقة ضد القوات الألمانية النازية في الحرب العالمية الثانية، وأيضا يتمركز في مكان قريب فرقة العشرين من “سي آي آي” في اتجاه جنوب شرق، ومن المحتمل أن يتم تكليف هذه الوحدات بإجراء مسح واسع عبر سهول شمال شرق أوكرانيا، والاستيلاء على ثاني أكبر مدينة في البلاد وهي “خاركيف” أو تطويقها، قبل الاتجاه إلى نهر “دنيبر” الذي يقسم أوكرانيا إلى قسمين تقريبًا.

وبينما قامت القوات الأوكرانية بتحصين مواقعها في المنطقة في الأشهر الأخيرة، فإن طبيعة التضاريس المفتوحة والخالية من الحواجز الطبيعية تجعل من الدفاع عن تلك المنطقة الشاسعة أمرًا صعبًا. ومن المرجح أن تسعى القوات الروسية إلى استغلال ذلك من خلال هجوم سريع عن طريق مناورات عسكرية، ومرة أخرى، بعد شن وابل مدمر ومصمم لتدمير أو تحطيم أكبر عدد ممكن من الوحدات والدفاعات الثابتة الأوكرانية.

وهناك على الحدود الشرقية لأوكرانيا، يقع أطول خط نزاع في البلاد، وهي منطقة دونباس، حيث تعيش جمهوريتا دونيتسك ولوهانسك الشعبيتان وضعاً بائساً بدعم من موسكو منذ عام 2014. والخطوط الأمامية في هذه المنطقة محصنة بشكل فعال، حيث كان أمامهم ما يقرب من سبع سنوات للاستقرار منذ توقف القتال على نطاق واسع في المرحلة الأولى من نزاع دونباس في أوائل عام 2015.

كما تقول منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (أو أس سي إي) التي تقوم بمهمة مراقبة وقف إطلاق النار في المنطقة، أن المنطقة هي واحدة من أكثر المناطق المليئة بالألغام الأرضية في العالم، مما يؤدي إلى إبطاء أي هجوم محتمل بشكل كبير. علاوة على ذلك، من المحتمل أن تكون هذه المناطق ذات أولوية أقل بالنسبة لموسكو في حالة حدوث غزو واسع النطاق، مما يقلل الموارد المخصصة لها. ومع ذلك، تتمركز القوات المسلحة الروسية الثامنة والتاسعة والأربعون في المنطقة ويمكن استخدامها على الأقل لإبقاء القوات الأوكرانية متمترسة في نفس المكان، مما يهدد بالمرور إلى ميناء “ماريوبول” وأماكن أخرى إذا أعادت كييف نشر قواتها.

وأخيرًا، مسرح القرم، والذي نشرت موسكو فيه مجموعة واسعة من الوحدات العسكرية في شبه الجزيرة منذ ضمها في عام 2014 وعززت ذلك التواجد مؤخرًا، مما يعني أن شبه جزيرة القرم تستضيف حاليًا كلاً من فرقة (سي آي آي) رقم 58 وفيلق الجيش الثاني والعشرين. وتلقت تلك الوحدات أيضًا اثنين من وحدات الدعم الفريدة لتعزيز تواجدها: أولاً، واحدة من أكبر فرق المروحيات الهجومية التي شوهدت مؤخراً في التعزيز الأخير، وثانيًا، قوة بحرية واسعة وسط التدريبات الروسية المستمرة في البحر الأسود، بما في ذلك الطائرات الهجومية البرمائية. ويمنح كل ذلك القوات في شبه جزيرة القرم القدرة على التهديد ليس فقط بشن هجوم بري تجاه “خيرسون” ووسط أوكرانيا، ولكن أيضًا بالزحف المحتمل على “أوديسا” وهو الميناء الناطق سكانه باللغة الروسية والذي يعد ثالث أكبر مدينة في أوكرانيا وهدف روسي متوقع على نطاق واسع. وحتى لو لم تتحقق مثل تلك العملية، فإن التهديد الموثوق به المتمثل في هبوط برمائي سيقيّد مرة أخرى القوات الأوكرانية التي لن تكون قادرة على الانتشار في أي مكان آخر.

وعليه تجد أوكرانيا نفسها في وضع لا تحسد عليه على الإطلاق، حيث تمتلك القوات الروسية حاليًا القدرة على شن هجمات واسعة النطاق على البلاد من خلال ثلاث جهات عبر حدودها الأربعة، مع إشعار بالبدء قبل ساعات قليلة فقط. ومهما كانت نيات موسكو الحقيقية، فإن القدرات العسكرية الروسية ضد القدرات الأوكرانية تعطي الكرملين خيارات كثيرة لا يمكن تصورها.

  

نيل هاور هو محلل أمني يعمل حاليًا في كييف، أوكرانيا. وعادة ما يكون مقره في تبليسي، جورجيا، ويركز عمله، من بين أمور أخرى، على السياسة والأقليات والعنف في القوقاز.