لا يتطلع سيف الإسلام لإحياء حكم والده، بل لدفن ذكراه

فيصل اليافعي

Image courtesy of Marwan Naamani / AFP

تسبب الظهور المفاجئ لسيف الإسلام القذافي في إحدى المدن الليبية الجنوبية، أثناء تقديمه أوراق ترشيحه للانتخابات الرئاسية في ديسمبر/كانون الأول، في اندلاع احتجاجات في شوارع البلاد، وصاحب ذلك موجات من التحليل في الخارج حول ما إذا كان الليبيون عازمون على التصويت للعودة بالبلاد لزمن القذافي.

ومن المؤكد أن ظهوره من جديد كان مبعثاً للدهشة، حيث إن غالبية الليبيين لم يسمعوا صوت سيف على مدى عقد من الزمان قبل التعليقات الموجزة التي أبداها الأسبوع السابق، بالرغم من إن صدى صوته كان يتردد في كافة نواحي البلاد في الماضي، وكانت تلك المحاولة عبارة عن خطوة أخرى لعودة عشيرة القذافي إلى الحياة العامة. والتفكير في أن سيف الدين ينوي حقاً أن يصبح رئيساً لليبيا في الشهر القادم هو قصور في فهم ليبيا الحديثة، وفهم محاولة سيطرته على الحكم بصورة تدريجية. فهو لا ينوي إحياء حكم والده، بل يريد دفن تلك الحقبة من الزمن وتأسيس الطريق لصعوده لسدرة الحكم.

ولم يكن سيف المرشح الوحيد الذي ظهر فجأة على مسرح الأحداث، حيث أدى الموعد النهائي لتقديم الطلبات الرئاسية يوم الاثنين إلى اندفاع وتهافت بين النخبة السياسية الحالية في ليبيا لتقديم انفسهم للمنصب.

وكانت بعض تلك الأسماء متوقعة مثل خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، وهو أعلى رتبة عسكرية يرشح نفسه للمنصب، وبعض الأسماء الأخرى غير متوقعه، مثل رئيس الوزراء الحالي المؤقت، عبد الحميد دبيبة، الذي أعلن ترشيحه في أخر لحظة.

(ومن المفترض أن يتولى عبد الحميد الدبيبة زمام السلطة إلى أن يتم انتخاب رئيس جديد، مما يعني أنه قد يكون في وضع غريب، حيث من الممكن أن يعلن فوزه ويُسلم مقاليد الحكم لنفسه والابتسامة تعلو محياه)، وبحلول صباح الثلاثاء، قال مسؤولو الانتخابات إن ما يقرب من 100 مرشح تقدموا للمنصب، لكن الأكثر إثارة للدهشة ومن جذب أعين المراقبين هو سيف الإسلام القذافي. وقد أدى ظهوره من جديد إلى تعقيد حسابات المرشحين الآخرين، فبالنسبة لشخصية مثل حفتر، الذي أعلن ترشحه ليس بزيه العسكري المميز بل ببدلة مدنية رصينة، فإن مشاركة سيف تجعل من الصعب الادعاء بأنه شخصية موحدة للشعب الليبي: فلماذا التصويت لمرشح قام بشن حروب، بينما يستطيع الناخب التصويت لشخص لم يقل شيئًا منذ 10 سنوات؟ وصمت سيف هو أعظم أسلحته، ودائما ما يتحدث عنه، ولكن نادرا ما يسمع منه.

والسببين في تسجيل سيف كمرشح رئاسي هما أنه إما يسعى لاستهداف أولئك الذين يشعرون بالحنين إلى النظام السابق، بما في ذلك الشباب الليبيين الذين لا يتذكرون الكثير بعد السنوات العشر الماضية من الحرب وعدم الاستقرار، أو أنه يسعى أن يكون مرشحًا توافقيًا وسط مرشحين سياسيين مجهولي الهوية ويتبعون فصائل متحاربة، وبصفته الشخص الوحيد في بطاقة الاقتراع الذي يمكن التعرف على اسمه على نطاق واسع، فإن لديه بالتأكيد فرصة في ميدان الانتخابات المزدحم.

ولكن بالنظر إلى أن سلطات المكتب الرئاسي لم يتم تحديدها بعد، ووجود شائعات تشير إلى أن الانتخابات قد لا تُجرى في تاريخ 24 ديسمبر، فمن غير المرجح أن سيف ينوي، أو حتى يرغب في الفوز.

والأرجح أن الهدف الحقيقي من وراء ترشيح سيف لنفسه هو ببساطة إعادة تقديم نفسه للجمهور الليبي، وهي استراتيجية “العودة ببطء، وببطء شديد، مثل استراتيجية التعري لإثارة حماس الجمهور ” وقد أقر بذلك في مقال سيئ السمعة في صحيفة نيويورك تايمز سابقًا. وربما افتقر ذلك الخبر الكبير إلى بعض الدراما، لكنه بالتأكيد أثار الجدل بين الناس.

والواقع أن أفضل طريق لعودة سيف إلى السلطة يتلخص في خسارته لهذه الانتخابات، ولكن ليس خسارة كبيرة إلى حد جعل اسم القذافي احتمالاً سياسياً بعيدا، ولكن خسارة معقولة، ربما أخذ المركز الثالث أو الرابع في ميدان المرشحين المزدحم، حتى يمتلك تأثير على من يفوز بتلك الانتخابات، ويثبت امتلاكه لقاعدة شعبية وشيء من النفوذ، من دون الخوض في معمعة الفوضى الوحشية. وكان مؤيدوه يزعمون أنه متواضع، وأنه يشبه الأمير الذي ينتظر التتويج لكن الظروف ضده.

وعلى أية حال، ليس هذا بالوقت المناسب لأخذ مقاليد الحكم في ليبيا، فالحكومة ليست مسيطرة على البلاد كاملة والميليشيات المتنافسة والقوى الأجنبية لا تزال في سباق لبسط نفوذها، وكان لزوال حكم والده آثار واسعة النطاق على البلدان المجاورة، وسوف يستغرق الأمر سنوات للتعامل مع تلك الآثار. وهناك انقطاع منتظم في التيار الكهربائي وانعدام للحكم الأساسي. ولا يستطيع أي رئيس أن يحل هذه القضايا في ولاية رئاسية واحدة، ولا تعتمد جاذبية سيف كمرشح على مؤهلاته الإدارية، بل على ما يمثله كشخص، وعليه من الأفضل البقاء بعيد عن السلطة بدل من تلقي سهام اللوم على مسؤوليته كرئيس.

وكلما كان سيف قادراً على البقاء جزءاً من الحوار السياسي مع تجنب الأخذ بدفة الحكم، كلما ابتعد عهد والده عن الذاكرة، وسيصبح عهد معمر القذافي بمثابة فترة من الاستقرار بدلا من تذكره كحقبة من القمع، وهنا قد يرتكب الليبيون خطأ الثقة بسيف القذافي. إن ابن القذافي يدرك أن عليه دفن ذكرى والده، من أجل خلق الظروف السياسية المناسبة لصعوده إلى الحكم.

 

 يقوم فيصل اليافعي حاليا بتأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق منتظم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وعمل لصالح قنوات إخبارية مثل “الغارديان” والبي بي سي، ونشر تقاريرعن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.