الرمال قد تكون “منجم الثروة الجديد” للبلاد الصحراوية

جوناثان جرونال

AFP Photo: Sam Panthaky

على مدار قرون، كانت الرمال الصحراوية الهائلة في شبه الجزيرة العربية – في أفضل الأحوال – واقعًا مزعجًا، وقدرًا يوميًا باقيًا لا يزول تواجهه القبائل التي أخذها العناد يومًا فتشبثت بالحياة في مناطق قاحلة منفرة كصحراء الربع الخالي.

أما اليوم، وبعد مرور ثمانين عامًا منذ أفصحت تلك الرمال التي بدت جرداء عن مكنونها من الذهب الأسود فتحوَّل إلى ثروات حصدتها جميع بلاد الخليج العربي، فربما تُخفي الصحراء مفتاح المعجزة الاقتصادية القادمة الجاهزة لإحداث تحول في المنطقة. لكن، على عكس حقول البترول الشاسعة التي ظلت مخفية في عمق الرمال شمال المملكة العربية السعودية حتى العام 1983، فهذه الهبة كانت متخفية بينما تتراءى أمام أعين الجميع طوال الوقت؛ إنها رمال الصحراء ذاتها.

بقدر ما قد يبدو ذلك مستحيلًا، فإن العالم في طريقه لاستنفاد رماله؛ ولا يُقصد بذلك رمال الصحراء بل تلك الرمال الموجود على الشواطئ ومجاري الأنهار وأعماق البحار. نحتت حركة المياه حبيبات الصخر أو الصدف بمرور الوقت، فمنحتها التشكيل المثالي كي تترابط مع بعضها لتخلق بنيانًا قويًا. وفي الوقت نفسه، الرمال الناعمة المنحوتة بفعل الرياح غير ذات جدوى لهذا الغرض. بحسب ما يوضحه المؤلف “فينس بايزر” في كتابه الجديد “العالم في حبة”، فإن “الرمال بالنسبة للمدن كالدقيق بالنسبة للخبز، وكالخلايا بالنسبة لأجسادنا؛ أي مكوِّن غير مرئي لكنه أساسي في تكوين الجزء الأعظم من البيئة الفسيحة التي يعيش بها غالبيتنا”، وقد ازداد الطلب على هذا المورد غير المستدام أكثر من أي وقت مضي.

حيث أن الرمال أكثر المكونات أهميةً وحيويةً في كل بناية وكل طريق، فضلًا عن دورها الرئيسي في كل لوح زجاجي للنافذة وفي رقائق السيليكون الموجودة بهواتفنا الذكية وحواسبنا الآلية، فإن العالم يستخدم ما يزيد عن 50 مليار طن من الرمال سنويًا، ولا يزال الرقم في ارتفاع مطرد. بيَّنت ورقة بحثية نُشِرت في الصحيفة العلمية Scienceفي 2017 ما أطلق عليه مؤلفوها “المأساة الوشيكة للتجمعات الرملية”؛ في إشارة إلى حقيقة أن صعوبات تنظيم استهلاك “الموارد الأساسية المشتركة” كالرمال تجعلها “عرضةً لمأساة الموارد العامة، حيث يمكن للأفراد استخراجها بشيء من الأنانية دون اعتبار للعواقب بعيدة المدي”.

على مدار القرن العشرين، تضاعف حجم الرمال والحصي المُستخدمة في إنشاء المدن سريعة النمو في العالم أكثر من 20 مرةً، واليوم تعدّ الرمال أكثر الموارد الطبيعية استهلاكًا. كميات الرمال المُجرَّفة من الأنهار والبحار والسواحل في العالم لإنشاء توسعاتنا السكنية الآخذة في التمدد أعظم من كميات الوقود الحفري المُستخرجة من باطن الأرض. يقول علماء من المركز الألماني لأبحاث التنوع البيولوجي التكاملي إنه حتى في المواضع التي تكون فيها عملية استخراج الرمال منظمة “توجد مشكلة ندرة الرمال، بما لها من تبعات على المستوى السياسي-الاجتماعي والاقتصادي والبيئي”.

حسْب المرء منا أن يحدق في ناطحات السحاب دائمة التنامي في مدن مثل دبي، ليبني فكرة أولية عن كم الكتل الخرسانية المُستخدمة في إنشائها؛ وعندها ربما يتساءل من أين أتت كل هذه الرمال المستخدمة في صناعته. الإجابة هي أنها لم تأتِ من الصحراء المحيطة بها؛ فمحاولة صنع خرسانة من رمال الصحراء الحصوية المستديرة – بحسب تعبير “فينس بايزر” –أشبه “بمحاولة تشييد بناء بكومة من الرخام بدلًا من تشييده بكومة من القرميد الصغير”.

إذا توجَّهت ببصرك إلى الصحراء من أعلي قمة “برج خليفة” في دبي، فستجد الرمال رائعة كأجمل ما يمكن أن تراه عين. غير أن كثيرًا من الرمال التي تم استغلالها في صناعة 400.000 متر مربع من الخرسانة المُستخدمة لتشييد أطول بنايات العالم كانت مُستوردة من أستراليا، وهو إجراء خرافي التكلفة وغير كفء يرمز إلى عصور “التبذير البيئي” التي نعيشها.

لا عجب أن البحث جارٍ عن بديل، وأن فريقًا من أربعة باحثين بكلية لندن البريطانية يعتقدون أنهم قد وجدوا ذلك البديل. “حمزة أوسّا” و”ماتيو ماكاريو” و”كارولين تام” و”ساكي مارويامي” أطلقوا على المادة التي قاموا بتطويرها اسم “الفينايت Finite”. بحسب قولهم، فلهذه المادة نفس قوة الخرسانة، ومع ذلك لها نصف بصمتها الكربونية. ولأسباب واضحة، ظلت التفاصيل الفنية لاكتشافهم ضمن نطاق السرية. لكن “الفينايت” لها سمة ذات أهمية خطيرة تم الكشف عنها؛ وهي إمكانية صناعتها من رمال الصحراء.

إذا كان المخترعون الأربعة على حق، فهم على موعد مع الثراء الفاحش، وسيعطل ظهور “الفينايت” العديد من صناعة التعدين الدولية التي تنفق مليارات الدولارات، والتي قُدِّرت تكلفتها بنحو 8.9 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها.

المزايا التي ستعود على دول الخليج، وعلي كل اقتصاد ذي ظهير صحراوي، واضحة جلية: فلا استيراد للرمال بعد الآن من النصف الآخر من العالم بأسعار باهظة، وهذا سيخفض تكلفة التنمية بدوره، ويخلق تجارة تصدير جديدة من نوعها تُقدَّر بمليارات الدولارات.

لكن هنالك جانب سلبي مُحتمل، وهو جانب يجب أن يُنظَر إليه بعين الاعتبار وأن تبدأ مواجهته من الآن قبل أن يفوت الأوان. فقد لحِق تدمير كبير بالبيئة البحرية في الخليج منذ اكتشاف البترول. التنمية الساحلية، التي كانت ملهمة لكنها تفشّت أكثر من اللازم، قد دمرت البيئات البحرية ذات الأهمية الجوهرية في تحقيق التنوع، مثل حضّانات أسماك النهاش التي كانت يومًا تطوّق شواطئ دول الخليج. العطش المتنامي للمياه العذبة، والذي قوبل بمحطات تحلية متعطشة للطاقة، لم يسهم فحسب في إنتاج بصمة كربونية شاسعة في تلك البلاد التي تغطيها مكيفات الهواء؛ بل ولوث الخليج كذلك بمياه الصرف الصحي فائقة الملوحة، مما قضى على أنواع بأكملها من الأسماك وزاد رقعة “المنطقة الميتة” في بحر العرب حجمًا فوق حجمها الهائل بالفعل.

إيجاد بديل لرمال الخرسانة التقليدية من شأنه أن يخفف من الضغط البيئي حول العالم، ويقدم ربحًا ضخمًا لا يخطر ببالِ بشر لجميع الدول المُحاطة بالصحاري. غير أن الأمر سيتحول إلى مأساة إن أدي اكتشاف نفع تلك السلعة المتوفرة بسهولة إلى اندفاع غير منظم نحوها كما يحدث في “حمى الذهب”، وهو ما يمكن أن يدمر البيئة التاريخية الهشة التي سُطِّر فيها التاريخ الأول للعرب.

حتى يومنا هذا، تمثل صحاري الجزيرة العربية الشاسعة الهادئة موطنًا لتنوع مدهش في الحياة الحيوانية والنباتية. كذلك فإنها تفتح ذراعيها كملجأ للبشر ممن أنهكتهم حياة المدينة، فشعروا بالحاجة إلى إعادة شحذ أرواحهم من خلال إعادة التواصل – ولو كان مقتضبًا – مع جمال المناظر الطبيعية الذي شكّل وجدان أسلافهم.

وهكذا فإن صحاري الجزيرة العربية تمثل كنزًا ثقافيًا وبيئيًا لا يقدر بثمن، وتجب حمايته مهما كلّف الأمر.

“جوناثان جورنال” صحفي بريطاني سابق بجريدة “التايمز”، عاش وعمِل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو مستقر حاليًا بالمملكة المتحدة.