شركة أرامكو السعودية في حاجة لاتخاذ القرار الأنسب لإعطاء دفعة لرؤية 2030

هيفاء المعشي

إن القول بأن الطرح الأولي لأسهم شركة “أرامكو السعودية” للاكتتاب العام أمر بالغ الأهمية بالنسبة لخطط السعودية الاقتصادية الطويلة الأمد سيكون تبخيساً لهذا الحدث. فإذا تم تفعيله بنجاح، سيكون الأضخم على مر التاريخ، حيث إن الأموال التي سيجمعها ستساعد على تمهيد الطريق نحو تنويع الاقتصاد، كما أن أثر هذا الأمر سيكون هائلاً، إذا ما تم تفعيله بنجاح كذلك. لكن بين الحاضر والمستقبل وبين التوقعات والواقع يكمن العمل الشاق والتحديات والمهام الصعبة، والعديد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات.

أول ما يتعين القيام به هو تحديد قيمة شركة “أرامكو” من أجل الحصول على مستوى الأرباح المرجوة من بيع حصة من الشركة. وإذا سار الأمر كما هو مخطط له، فمن المتوقع أن تبلغ قيمة الشركة تريليوني دولار وتحقق 100 مليار دولار من خلال إدراجها في البورصة. وبالتالي فإن هناك أموراً “أسهل” يتعين القيام بها (دون أن تكون بالضرورة سهلة) وأموراً أكثر صعوبة يرجى بلوغها.

فيما يتعلق بالنقطة الأولى، تسعى “أرامكو” إلى تعزيز قيمة الشركة من خلال ضخ استثمارات جديدة في القدرات الخاصة بعمليات ما بعد الإنتاج. ففي وقت سابق من هذه السنة، اتفقت “أرامكو” مع شركة النفط الفرنسية “توتال” على بناء مجمع بتروكيماويات جديد في المملكة. كما تم التوقيع على اتفاق آخر مع ائتلاف يضم ثلاث شركات نفط هندية مملوكة للدولة لبناء مصفاة عملاقة بالقرب من مومباي. وفي هذه السنة أيضاً، تعاونت “أرامكو” مع شركة “رويال داتش شل” من أجل استكشاف فرص أولية تهم الغاز الطبيعي.

ويتجلى الأمر الأكثر صعوبة في تثمين احتياطاتها، الأمر الذي يعتمد على توقع أسعار النفط. ويكمن المشكل في أن التقلبات التي عرفتها الأسعار مؤخراً تجعل توقعها أمراً صعباً، خاصة ونحن على أبواب الفترة التي سيتم فيها تحديد سعر شركة “أرامكو” من أجل الطرح العام الأولي لأسهمها. وبعيداً عن الأخبار المتضاربة التي تحرك السوق، فإن تحديد الأسعار يعتمد على الإنتاج والعرض. لكن وبالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، فإنها لا تستطيع تحديد العرض بطريقة مقنعة. فعلى سبيل المثال، أصرت إيران على رفع الإنتاج، أملاً منها في الاستفادة من ارتفاع الأسعار الذي عرفه السوق منذ شهر يناير، رغم اتفاق أعضاء منظمة “أوبك” على تخفيض الإنتاج. أما روسيا، وهي بلد لا ينتمي إلى المنظمة، فلديها مصالح ملحة – سواء تعلق الأمر بها أو بدعم حلفائها– تعتمد على إنتاج كميات أكبر من النفط، الأمر الذي لا يدعم بالضرورة أسعار النفط. ورغم أن الولايات المتحدة لا تتدخل في السوق، فهي سعيدة بامتلاك منتجي النفط الصخري المحليين القدرة على الرفع من الإنتاج بشكل كبير. وبينما لا تسعى واشنطن للتأثير على الأسعار، فإنها تظل تملك القدرة على منح الشركات المنتجة للنفط الصخري مثلاً المنافع الاقتصادية التي ستساعدهم على الازدهار. والنتيجة أنه ستكون هناك وفرة في النفط الصخري عندما سترتفع الأسعار وذلك من أجل جعل الإنتاج قابلاً للاستمرار من الناحية المالية. والحال أن قدرة منتجي النفط الصخري على بدء الإنتاج وإيقافه بسرعة قد باتت عاملاً رئيسياً في تحقيق مستوى مقاومة منخفض نسبياً فيما يتعلق بالأسعار.

إن هذا الوضع التسعيري لا يبشر بالخير بالنسبة للطرح العام الأولي لأسهم شركة “أرامكو”. لذلك، يرجح أن يكون تغيير خريطة التحالفات للتحكم في استقرار أسعار النفط عند مستوى مناسب من أكبر التحديات التي تواجه السعودية في الوقت الراهن. ومن المقاربات التي يمكن أن تتبعها المملكة هي إقامة تحالفات ثنائية مع منتجين مستقلين عن منظمة “أوبك”، شريطة ألا تتعارض هذه التحالفات مع الاتفاقيات الجماعية المبرمة في إطار المنظمة. وتكمن الغاية من وراء هذه الخطوة في ضمان قيمة طويلة الأمد لشركة “أرامكو”.

هناك مشكل آخر، وهذه المرة يتعلق بالصورة الأشمل، حيث إن الطرح العام الأولي لشركة “أرامكو” ما هو إلا جزء من سيناريو يرمي إلى إصلاح الاقتصاد السعودي في إطار رؤية 2030، وما الدخل والأرباح المتأتية من النفط سوى وسيلة تسمح للمملكة بتقليل اعتمادها على النفط والغاز. لذلك فإن السعودية في حاجة لأن تثبت بأنها ستخفف اعتمادها على مدخولها من النفط لكي يثق المستثمرون في اقتصادها في مجمله. وفي الواقع، أكد ولي العهد محمد بن سلمان بأن المملكة ملتزمة التزاماً تاماً برؤية 2030، إلا أن السعودية أكدت في الوقت نفسه على أن النفط سيظل مصدراً مهماً للدخل على المدى الطويل. صحيح أن هذه الرسالة تعزز موقع شركة “أرامكو” فيما يتعلق بالطرح الأولي للاكتتاب العام، إلا أنها توحي أيضاً للمستثمرين في الأسواق المالية بأن الطرح العام الأولي لأسهم شركة “أرامكو” قد لا يكون بالضرورة جزءاً من خطط الإصلاح الخاصة بالاقتصاد غير النفطي. وبالتالي، حتى ولو حقق الطرح الأولي للاكتتاب العام النجاح، فإن الغموض الذي يلف السوق بخصوص التوقعات الاقتصادية العامة قد يؤثر سلباً على القيمة المستقبلية لـ”أرامكو”. فما تحتاجه “أرامكو” إذن هو نهج مقاربة تُوازن بين آفاقها وآفاق الاقتصاد غير النفطي واسع النطاق واتخاذ القرار الصائب: أي القرار الذي سيخدم القطاعين النفطي وغير النفطي على حد سواء. وتحقيق هذا أمر ليس بالأمر الهين.

بالمقابل، من غير الواضح أين سيتم إدراج “أرامكو” في الخارج – نيويورك أو لندن أو هونغ كونغ أو ربما في مكان آخر، كما أن الغموض يحيط كذلك بزمن هذا الإدراج. وقد تم إرجاء هذه الخطوة بالفعل إلى سنة 2019 بعد أن كان مقرراً حدوثها في النصف الثاني من هذه السنة. ومن الضروري تحديد موعد الإدراج بسرعة كي لا يكون لذلك أثر عكسي على قيمة العرض. فالأسواق لا تحب الغموض كما أن “أرامكو” ليست الشركة الوحيدة التي تسعى للحصول على أموال المستثمرين.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية و”شركة أرامكو”، فإن الطرح الأولي للاكتتاب العام لا يشبه الكثير من عمليات إدراج الشركات في البورصة في أرجاء العالم. إلا أن نجاحه يعد حاسماً في التأثير على الاقتصادين الكلي والجزئي للمملكة، وستكون له انعكاسات على المنظومة الاقتصادية في الخليج. ولبلوغ ذلك، يتعين على السعودية أن تحدد الأسعار بشكل الصحيح، من ثم ينبغي أن تشكل خطاباً مقنعاً يظهر أن نجاح شركة نفطية سيعطي دفعة للاقتصاد غير النفطي الواسع النطاق. كما أن عليها أن تبين كيف أن إدراج شركة “أرامكو” في البورصة سينقل السوق المالية المحلية إلى مرتبة الأسواق الناشئة في مؤشر “مورغان ستانلي كابتال إنترناشيونال”، (وبذلك ستجذب المزيد من المحافظ الاستثمارية الأجنبية)، ما سينتج عنه سيولة كبيرة لتمويل ودعم الصناعات الاقتصادية الجديدة التي لا علاقة لها بالنفط. باختصار، يتعين عليها إقناع العالم بأن يثق في شركة النفط، لكي تثق في الشركات غير النفطية الناشئة في البلاد.

إنه أمر محير أليس كذلك؟ هذا هو التحدي الذي تواجهه السعودية، وهي مهمة لم يسبق لأي دولة أخرى السعي إلى تحقيقها بهذا الشكل.

Getty Images/Bill Pugliano