زيارة ولي العهد السعودي إلى آسيا هي بادرة “التحول الثاني نحو الشرق”

أفشين مولافي

AFP photo/Wang Zhao

أثارت جولة ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” إلى آسيا، والتي تصدرت عناوين الأخبار، وزار خلالها كلاً من باكستان والهند والصين، ردود الفعل المتوقعة في جميع أنحاء العالم بشأن “تحول المملكة نحو الشرق. ورغم ذلك، ثمة حقيقة وهي أن المملكة العربية السعودية ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي قد تحولت نحو الشرق اقتصاديا منذ عشر سنوات على الأقل.

ولهذا، لم تكن زيارة ولي العهد السعودي علامة على “تحول جديد نحو الشرق”، بل قد تكون علامة على أن “التحول نحو الشرق” قد دخل مرحلة جديدة وناضجة. يطلق عليه التحول الثاني لدول مجلس التعاون الخليجي نحو الشرق.

وعلى مدار المرحلة الأولي من التحول نحو الشرق خلال العقود القليلة الماضية، ساهم النفط الخليجي في نمو آسيا، مع المساهمة في الوقت ذاته في الازدهار الإقليمي. وخلال السبعينات، ثمة علاقات إستراتيجية تم تكوينها بين الشركات الكورية الجنوبية واليابانية ومنتجي النفط في دول مجلس التعاون الخليجي، بينما دخلت الصين والهند وجنوب شرق آسيا إلى الساحة في وقت لاحق كمشترين رئيسيين وشركاء تجاريين وكان ذلك في فترة التسعينات وما بعدها.

وعندما اعتلى الملك عبد الله كرسي العرش في عام 2005، تصدرت أول زيارتان خارجيتان بصفته رئيسًا للدولة – إلى الصين والهند – عناوين الصحف، غير أنه من غير المستغرب أن يقوم ملك السعودية بهذه الزيارة. وكانت ثمة مؤشرات على فشل نتائج تلك الزيارة، وهي أن المستقبل الجغرافي السياسي لمنتجي النفط في منطقة الشرق الأوسط (أو ربما أكثر دقة، في منطقة “غرب آسيا”) سوف تحدده منطقتي جنوب وشرق آسيا بسبب زيادة الطلب على الطاقة من جانب الطبقة المتوسطة المتنامية.

ومع ذلك، فإن التحول الثاني نحو الشرق من جانب دول مجلس التعاون الخليجي تجاوز مسألة مبيعات النفط الخام. وفي خضم حديث جميع العناوين الصحفية الرئيسية عن صفقات بمليارات الدولارات تم توقيعها في البلدان الثلاثة، برز إعلان واحد على أنه مختلف ويحتمل أن يكون تحويليًا: وهو أن اللغة الصينية سيتم تدرسيها من الآن في جميع المدارس السعودية كجزء من المنهج الدراسي. فإذا كنت تبحث عن علامات التحول الثاني نحو الشرق، فقد تكون تلك التعليمات الشاملة واحدة من تلك العلامات.

ولم تكن المملكة العربية السعودية الدولة الوحيدة التي أطلقت تعليم اللغة الصينية في مدارسها، إذ أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة في الصيف الماضي أنها ستوفر فصولاً لتدريس اللغة الصينية داخل “100” مدرسة ثانوية، وافتتحت جامعة البحرين “معهد كونفوشيوس” في عام 2013، ومن المرجح أن تحذو دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى حذوها. وبالنظر إلى هيمنة اللغة الإنجليزية كلغة ثانية في جميع أنحاء العالم، ودورها الرئيسي في دول مجلس التعاون الخليجي، فلا ينبغي على المرء أن يتوقع أن تحل اللغة الصينية محل اللغة الإنجليزية في القريب العاجل (ولا يتوقع أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة كحامي للأمن الإقليمي في القريب العاجل؛ وهذا جزء من التحول الثالث نحو الشرق).

وإذا نظرنا إلى حجم النفوذ على مدى عقود بدلاً من سنوات، سنجد أن اختيار الأجيال السعودية والإماراتية، ممن يشعرون بالارتياح للغة الصينية، جامعات صينية لبدء دراساتهم الجامعية هي إشارة إلى ذلك التنوع الجغرافي والثقافي ذو الأبعاد الهامة على المدى الطويل، كما أن الاستثمارات التي وافق عليها ولي العهد السعودي تعكس مقياس هذا “النفوذ” الذي امتد لعقود. ووقع الأمير محمد أو وافق على صفقات كبيرة في كل دولة زارها فيما يتعلق بمجال المصافي والبتروكيماويات. وتمثل الصفقات التي أبرمها ولي العهد السعودي بمليارات الدولارات لبناء المصافي التي تساعد على ازدهار مستقبل المملكة العربية السعودية على المدى الطويل. علمًا بأن مشروع المصفاة قد يستغرق بنائه فعليًا من 5 إلى 7 سنوات، فضلاً عن ارتفاع تكلفته الرأسمالية.

ولذلك تشكل الاستثمارات في المصافي والتي تضم شركات مملوكة للدولة إشارة جيدة على أن كلا الجانبين يتبعان أسلوب التفكير الإستراتيجي. وبالفعل، هناك بيان تردد كثيرًا خلال الزيارات الثلاث بخصوص أهمية الارتقاء بمستوى العلاقة من مجرد علاقة بين “بائع ومشتري” إلى علاقة أكثر إستراتيجية. وقد جسد كلٌ من رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” والأمير “محمد” هذه الفكرة بوضوح عندما أعلنا عن إنشاء “مجلس الشراكة الإستراتيجية” والذي ستعقد قمته كل سنتين. وأضاف رئيس الوزراء الهندي، قائلاً “لقد حان الوقت” “لتحويل علاقتنا في مجال الطاقة إلى شراكة إستراتيجية.”

ويلاحظ من يزور المراكز التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي وعواصمها منذ مدة طويلة أن ثمة زيادة في أعداد السياح ورجال الأعمال الصينيين في المنطقة. وفي عام 2015، حلت الصين محل الهند كأكبر شريك تجاري لدبي. كما تشكل الصين أيضاً أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية، ومن المرجح أن تتجاوز المملكة العربية السعودية روسيا هذا العام كأكبر مورد للنفط الخام إلى الصين، وذلك وفقاً لشركة “بلاتس” – وهو المركز الذي تشغله المملكة العربية السعودية من العام 2006 إلى عام 2016، خلال فترة التحول الأول نحو الشرق.

وبالنسبة للرعايا الهنود والباكستانيين، برزت دبي والإمارات العربية المتحدة بأسرها وكأنهم يعيشون في إقليم “هونغ كونغ” الخاص بهم – وهو مكان للتجارة والتسوق والزيارة والتواصل مع العالم. وهناك تقريبًا رحلة واحدة  من كل ثلاث رحلات جوية دولية تغادر الأراضي الهندية إلى أي مطار بدولة الإمارات العربية المتحدة، يكون الهدف منها غالبًا هو تعميق التواصل مع العالم. وفي الوقت نفسه، هناك تقريبًا واحدة من كل ثلاث رحلات جوية دولية تحط في الهند تكون منطلقة من أحد مطارات دولة الإمارات العربية المتحدة، وأبرزها مطار دبي وأبو ظبي، مما يجعل دولة الإمارات العربية المتحدة البوابة الجوية التي تتواصل بها الهند مع العالم. وبالنسبة للمسافرين الباكستانيين، فالقصة متشابهة، حيث تمكن المطارات الإماراتية هؤلاء المسافرون من اللحاق بالرحلات الجوية الدولية.

وفي ظل تلك التدفقات من الأشخاص والتجارة ورأس المال، كان لازما أن يتبع ذلك “زيادة الزيارات الخاصة برؤساء الدول”. وبدءاً بزيارات الملك عبد الله في عام 2006، شهدنا سلسلة من الزيارات رفيعة المستوى على مستوى رؤساء الدول أو كبار المسؤولين. وبالنظر إلى هذا السياق، يجب اعتبار جولة الأمير محمد بن سلمان إلى آسيا كأنها جزء من التحول الثاني نحو الشرق – حيث الاستثمارات الإستراتيجية، وتنمية التبادل بين الأفراد، والتعاون الأمني البسيط – مع زيادة ارتباط منطقة غرب آسيا أكثر بشرقها وجنوبها.