مقتل شيرين أبوعاقلة يكشف كيف تسيطر إسرائيل على المنظور الإعلامي للصراع

جوزيف دانا

Image courtesy of Said Khatib / AFP

ما يُميز الصحفيين في الضفة الغربية هو أن الإسرائيليين يعرفون دائمًا مكانهم ووجهتهم، حيث لم أتمكن من الوصول إلى أي منطقة من مناطق التوتر إلا ببطاقة صحفية تصدرها إسرائيل، وذلك خلال سنوات عملي في مجال التغطية الإعلامية في جميع أنحاء فلسطين. وهذه النقطة مهمة لفهم القتل المأساوي للصحفية المخضرمة شيرين أبو عاقلة، والذي وقع في صباح يوم الأربعاء في مدينة جنين بالضفة الغربية. ومباشرة بعد الاغتيال، حاولت آلة العلاقات العامة التي تم تدريبها جيدًا في إسرائيل نقل المسؤولية إلى طرف آخر وخلط الأوراق وإلقاء اللوم على عاتق الفلسطينيين. إن الطريقة التي تعاملت بها إسرائيل ووسائل الإعلام الدولية مع هذا الحدث المروع تشرح بكل وضوح الطريقة التي يخفي من خلالها المنظور الإعلامي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الوقائع والحقائق، كما يجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم.

وقد أصيبت الصحفية في قناة الجزيرة العربية بعيار ناري أسفل أذنها، وذلك وفقاً لعدد من الصحفيين الذين كانوا متواجدين في مكان الحادث، وأطلق قناص إسرائيلي الرصاصة خلال عملية عسكرية في المدينة، وفي البداية، زعم الجيش الإسرائيلي أن الرصاصة أطلقها “مسلحون فلسطينيون”، لكن دحضت روايات الشهود ذلك الزعم، وعلاوة على ذلك، فلا بد أن الجيش الإسرائيلي كان على دراية تامة بأن أبو عاقلة وطاقمها كانوا يعملون في المدينة.

وعلى الرغم من تداول تقارير واضحة حول الحادث من قبل صحفيين آخرين، وهم الذي كانوا حاضرين في مكان الحادث، إلا أن الحكومة الإسرائيلية شنت هجومًا إعلاميًا بعدة روايات مختلفة لما حدث على الأرض، وفي موقف كهذا، تتمثل استراتيجية العلاقات العامة الإسرائيلية في تعكير صفو المعلومات أولاً من خلال سرد روايات متضاربة لما حدث، ففي حالة مقتل  أبو عاقلة، اتخذ ذلك شكل عدد كبير من الاقتباسات المختلفة والادعاءات المتضاربة من المسؤولين الإسرائيليين، وتم إعطاء ذلك للعديد من المنظمات الإعلامية الدولية مثل “أسوشيتد برس” و”رويترز” و”نيويورك تايمز”، وخلقت تلك الادعاءات بيئة كان من المستحيل التحقق فيها مما حصل على أرض الواقع، على الرغم من وجود العديد من روايات الشهود لما حدث بالضبط.

وبعد أن اتضح أن إسرائيل لا تستطيع تجاهل المسؤولية عن ذلك الجرم، بدأ المسؤولون يقولون إن أفراد من الجيش الإسرائيلي “ربما هم” من أطلق النار على أبو عاقلة وأردوها قتيله. وقد وقع الضرر بالفعل، ومع وجود العديد من الروايات حول الحدث في كافة أنحاء العالم، يمكن لمؤيدي إسرائيل في كل مكان الادعاء بسهولة أننا لا نعرف ما حدث ولا يمكننا أبدًا توقع رواية كاملة للحقيقة.

لكن هجوم العلاقات العامة لم يتوقف عند هذا الحد، فبعد أن اعترف مسؤولون إسرائيليون بأنه “ربما يكون  الخطأ من جانبهم”، عرضت إسرائيل إجراء “تحقيق مشترك” مع السلطة الفلسطينية لتحديد ما حدث، وسرعان ما رفضت السلطة الفلسطينية هذا العرض بسبب سجل إسرائيل المتضارب في التحقيق بأمانة في تلك الأمور، وبدلاً من ذلك، طالب الفلسطينيون بإجراء تحقيق مستقل، وحينها استغل جهاز الإعلام الإسرائيلي الرفض الفلسطيني كدليل على أن اللوم لا يقع على عاتق إسرائيل وحدها، وألقي اللوم على الفلسطينيين لعدم قبولهم بالتحقيق المشترك.

وهذه خدعة خفية لكنها قوية في إدارة النظرة أو السرد الإعلامي، فماذا لو قُتل صحفي أوكراني برصاص قناص روسي أثناء تغطيته لعملية توغل روسي في كييف، فتخيل الآن أن روسيا دعت إلى تحقيق “روسي أوكراني مشترك” حول ذلك القتل، فسترفض أوكرانيا والمجتمع الدولي مثل هذا العرض رفضًا قاطعًا، بسبب مصلحة روسيا في السيطرة على رواية القتل، وهذا ما تحاول إسرائيل عمله في حادث مقتل أبو عاقلة.

وقد لاحظ العديد من الكتاب الفلسطينيين أن التغطية الإعلامية لوفاة أبو عاقلة كانت فاترة في أحسن أوصافها، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في أول مقال لها عن جريمة القتل إن أبو عاقلة وهي الصحفية الرائدة قد “ماتت عن عمر يناهز 51 عامًا” ولم يُذكر أنها قُتلت على يد قناص إسرائيلي أثناء تغطيتها لتوغل عسكري مرتدية خوذة صحفية وسترة واقية من الرصاص.

وحتى بعد وفاة أبو عاقلة طغت على الحدث ثنائية الانتهاكات الإسرائيلية وآلة العلاقات العامة التي تجنب إسرائيل اللوم، وفي يوم الجمعة، أطلق جنود الاحتلال قنابل صوتية خلال جنازتها وضربوا المعزين الذين كانوا يحملون نعشها في أحدى المجامع الطبية، وفي وقت من الأوقات، كان حاملو النعش على وشك إسقاطه عندما تعرضوا للهجوم. وحاولت إسرائيل مرة أخرى صرف النظر عن أي إدانة بالقول إنهم “أجبروا على التصرف” بعد أن “بدأ المشاغبون في إلقاء الحجارة”، ويمكن للمرء أن يتخيل فقط كيف ستغطي وسائل الإعلام الغربية مشاهد مماثلة تحدث في أوكرانيا.

لماذا قتل قناص إسرائيلي شيرين أبو عاقلة؟ لا الشك أن الجيش كان يعرف من هي ومن تكون، فيمكن القول إن أبو عاقلة كانت أكثر الصحافيين الناطقين بالعربية شهرة في فلسطين، ومثلت صوت الانتفاضة الثانية، وكانت تغطيتها مهمة جداً بالنسبة للعالم العربي، إلى درجة أن الجنود الإسرائيليين اعتادوا السخرية منها ومن متابعيها أثناء مداهمة رام الله، وكانوا يتجولون في الشوارع قائلين عبارتها الختامية الشهيرة، معكم شيرين أبو عاقلة من قناة الجزيرة – رام الله.

وقد كان من دواعي سروري لقاء شيرين في عدة مناسبات أثناء تواجدي في فلسطين، فبغض النظر عن الموقف، كانت حضورها  يدفئ القلب ويعطي الإحساس بالاطمئنان وسنفتقدها كثيراً، وقد يكون السبب وراء هذا القتل البشع هو العنصر الأكثر وضوحاً، فلا شك في أن القيادة العسكرية والسياسية لإسرائيل كانت على علم بقوة تقارير أبو عاقلة، ومع احتدام التوترات مرة أخرى وبحث الفلسطينيين عن طاقة متجددة لمقاومة الاحتلال العسكري الإسرائيلي الوحشي، فإن صوتًا مثل صوت أبو عاقلة هو سلاح قوي، وبطلقة واحدة، أسكتت إسرائيل هذا الصوت إلى الأبد، لكن ذاكراها  لن تُمحى من قلوب الملايين الذين ألهمتهم على مدى عقود من خلال تقاريرها الإعلامية.

 

جوزيف دانا هو كاتب مقيم في جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، ومراسل من القدس ورام الله والقاهرة وإسطنبول و أبوظبي، وقد شغل سابقًا منصب رئيس تحرير في “إميرج 85″ والذي يعد مشروع إعلامي مقره الإمارات العربية المتحدة يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة.