تكشفت لي الحقائق بأكملها بعد إصابة عائلتي بفيروس كورونا

جوزيف دانا

AFP photo: Marco Longari

كم يدهشني أن العديد من الدول الغربية بدأت في إعادة فتح حدودها مرة أخرى، بينما العديد من مناطق الدول النامية لا تزال تكافح جاهدة لاحتواءفيروس كورونا. أنا أعيش في دولة جنوب أفريقيا، وقد أصاب فيروس كورونا عائلتي الأسبوع الماضي. لا يمكن وبكل تأكيد اعتبار ذلك بمثابةمفاجأة لنا، كون كل من نعرفه قد تعرض هو أو فرد من اسرته لهذا الفيروس، ولكن ما يثير الاهتمام هو أنه اثناء فترة عزل أنفسنا بالمنزل كسبيلوحيد لنا في مواجهة متحور دلتا، أدركت أن على العالم الغربي معرفة أن السبيل الوحيد لتوفير الأمان لسكانه يعتمد على تنازله عن احتكار لقاحفبروس كورونا. فنحن قاطني الجزء الجنوبي للكرة الأرضية يجب أن نتلقى ايضا جرعات اللقاح إن أردتم يا سكان الشمال أن تستعيدوا حقاحياتكم الطبيعية.

أسرد إليكم هنا قصة ما مرت به عائلتي مع ذلك الفيروس، ففي بداية كل فصل شتاء يحل على النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، يصاب عادةالأطفال بمختلف اعمارهم من بمرض الإنفلونزا الموسمية، ولذلك عندما أصيب إبننا البالغ من العمر عامين ونصف بحمى وسعال منذ اسبوعين،اعتقدنا في بادئ الامر ان تلك الاعراض لا تتعدى أكثر من كونها إحدى نزلات البرد العادية التي غالبا ما تصيب الأطفال في هذا الفصل منفصول السنة لتنتقل بعد ذلك نزلة البرد تلك إلى زوجتي وإلى الشخص الذي كان يقدم الرعاية الصحية لابننا ولنعرف اخيرا اصابة عائلتيبفيروس كورونا خاصة بعد فقد زوجتي لحاستي التذوق والشم، وتأكدنا من ذلك لاحقا عبر نتيجة الاختبار التي بينت لنا أصابتها بفيروس كورونا.

مرورنا بهذه التجربة جعلنا نستخلص أن أكثر ما يثير الذعر في متحور دلتا من فيروس كورونا هو قدرته على إصابة الأطفال والذين تظهرعليهم حينها أعراض مشابهة لنزلات البرد الشتوية الاعتيادية. في جوهر تجربتنا مع فيروس كورونا كان ابننا الأصغر هو الناقل الأساسيللعدوى في عائلتنا. وعلى الرغم من عدم وجود وسيلة يمكنها ان تؤكد لنا ذلك، لكن ما يزيد من صحة تلك الفرضية هو أننا لم نخرج كثيراً منذإعلان دولة جنوب افريقيا دخولها مرة أخرى في حالة فرض الحظر لمكافحة الموجة الحالية من هذا الفيروس، وذلك باستثناء ابننا الذي كانيذهب الى حضانة الأطفال ليختلط مع قرنائه من الأطفال الأخرين.

كما أخبرنا الطبيب أن اي أعراض نزلة برد تظهر على الأطفال خلال الشتاء الحالي يتم التعامل معها على انها فيروس كورونا. السببفى ذلك أن متحور دلتا ليس فقط أكثر قدرة على الانتشار بما يقارب نسبة 60 بالمائة مقارنة بالسلالة الأصلية لفيروس كورونا، ولكنهأيضاً قدرته الجديدة على إصابة الأطفال. (ولحسن حظ عائلتنا، فإننا مررنا من تلك التجربة بخير فلم تتعد مضاعفات واعراض الفيروسلكل شخص في المنزل مثيلاتها المصاحبة للإنفلونزا الطفيفة).

وأوضح هنا أن عدد الاصابات الحالية بمتحور دلتا من فيروس كورونا في كامل دولة جنوب افريقيا قد تجاوز العدد المسجل لذروتيالعدوى السابقتين في عام 2020 في نفس البلد. ولقد حذر كذلك خبراء منظمة الصحة العالمية من ازدياد الإصابات في باقي بقاع قارةإفريقيا خلال الستة أسابيع الماضية. وقد تمكنت دولة جنوب أفريقيا بسبب الخبرة المعملية العالية التي تتمتع بها من تسجيل أكثر مننصف تلك الحالات التي تم حصرها.

بصرف النظر عن القدرة العالية على الانتشار لمتحور دلتا من فيروس كورونا، فإن السبب الذي يجعل دولة جنوب إفريقيا تجد نفسها تكافح بعناءشديد موجة عدوى أخرى، يتمثل بشكل أساسي فى بطء وتيرة انتشار اللقاح، فمن بين 60 مليون نسمة من السكان، تم إعطاء جرعات اللقاح لعددثلاثة مليون نسمة فقط. ووفقًا لما صرحت منظمة الصحة العالمية، سيكون إجمالي من يتم تطعيمهم في باقي القارة الافريقية هو 15 مليون شخصفقط.

يتوقع مع وجود عدد كبير من الأشخاص الذين لا يزالون معرضين بشدة للإصابة بفيروس كورونا أن تظهر متحورات جديدة من فيروس كورونالتنضم إلى المتحورات الفا وبيتا ودلتا وغيرها من المتحورات الموجودة بالفعل في وقتنا الحالي. ولهذا السبب تحديدا نجد انفسنا بحاجة إلى توفيراللقاح للجميع في كل مكان على وجه الأرض وبأقصى سرعة. حقيقة، لا توجد طريقة لمعرفة مدى فعالية لقاحاتنا الحالية ضد ما يمكن أن يظهرمن متحورات جديدة للفيروس، لذلك يجب علينا القضاء على المتحورات الموجودة قبل أن تتطور أكثر. بالإضافة إلى ذلك، لا يجب أن نتجاهلحقيقة ان الأطفال لم يعدوا محصنين بمناعتهم الطبيعية ضد الفيروس ويصاحب ذلك عجزنا عن التوصل إلى لقاح فيروس كورونا صالح للأطفالالصغار وذلك يقودنا إلى طبيعة المشكلة الخطيرة التي نواجهها جميعًا.

كان العائق الأساسي لانتشار اللقاح عبر مناطق جغرافية أوسع هو فشل برنامج مشاركة اللقاحات العالمي كوفاكس، نتيجة لما قامت به الدولالغربية من إعادة صياغة لمبادئ المشاركة بما يخدم مصالحها، ليحصلوا من خلال ذلك على ما هو أكثر من الحصة العادلة لهم من اللقاح. وكذلكما قامت الدول المتقدمة من مبادرة مباشرة في التفاوض مع صانعي اللقاحات الفعالة وحتى قبل أن تتحصل منتجاتهم على الموافقة، لينتج عن ذلكأن اصبحت أغلب خطوط إنتاج اللقاح حاليًا موجهة حصريا إلى الدول الغربية.

كان السبيل الوحيد للخروج من هذه الفوضى هو الحصول على المزيد من خطوط إنتاج اللقاحات. فنحن بحاجة إلى المزيد من مصانع اللقاحاتلأن المصانع الحالية قد التزمت بالفعل باتفاقات توريد تشغلها لعدة أشهر قادمة. أما بالنسبة لأفريقيا، القارة التي تم تلقيح 1.2 في المائة فقط منسكانها، يجب أن يكون بها وحدات تصنيع أفريقية للقاح. ولتحقيق هذه الغاية، كان من المطمئن أن قامت دولة جنوب إفريقيا بإبرام اتفاق تاريخيفي أواخر الشهر الماضي مع شركة جونسون آند جونسون لتصنيع اللقاح أحادي الجرعة، ولكن تظل قارة أفريقيا بحاجة إلى المزيد من الدفعاتمن هذا اللقاح لكي يتم تحجيم هذه العدوى في اقرب فرصة قبل أن تتاح فرصة للمتحورات الجديدة لتحقيق المزيد من الطفرات المستحدثة.

لن يكون فيروس كورونا أخر الفيروسات ممن يثير الفوضى في القارة السمراء. لذلك تحتاج أفريقيا إلى الإمكانيات لتطوير اللقاحات في المستقبل. وتُعد مبادرة منظمة الصحة العالمية وفرنسا لنقل التكنولوجيا المتعلقة بلقاحات “الحمض النووي الريبوزي المرسال” إلى جنوب إفريقيا بمثابةخطوة جدية للتقدم نحو الأمام في هذا المضمار.

لكن ذلك سوف يستغرق كل هذا وقتاً كبيراً بالطبع، لتكون الطريقة الفورية والأسهل لتلقيح قارة أفريقيا وباقي جنوب الكرة الأرضية حاليا هي أنيمنحنا الجزء الشمالي اللقاحات الفائضة عن احتياجاتهم.

والسبيل الوحيد والأكثر سرعة لتفادى حدوث المزيد من حالات العدوى وتجنب فرض الحظر هو العمل الدولي المدروس الذي يتضمن حملةعالمية تساعد فيها البلدان الأكثر ثراءً الدول النامية في الحصول على اللقاحات. فإذا أراد الجزء الشمالى من الكرة الأرضية أن يكون قادرًا علىالاستمرار في زيارة الحانات ومتابعة الأحداث الرياضية والذهاب إلى دور السينما وزيارة العائلة، فهو يحتاج أولا إلى التأكد من أننا في جنوبالكرة الأرضية منيعون ضد هذا الفيروس مثلهم تمامًا. بخلاف ذلك، سيكون هناك بالتأكيد المزيد من المتحورات الجديدة للفيروس، والتي منشأنها أن تكون ذات تأثير أقوى من تأثير حصيلتنا الحالية من اللقاحات.

أما بالنسبة لي ولزوجتي، فقد علمنا الشهر الماضي أننا قد نحصل على الجرعة الأولى من اللقاح في شهر أغسطس. لكن يظل ذلك حتى الآنمجرد وعود.

جوزيف دانا هو كبير المحررين في برنامجإكسبوتنشيال فيو، وهي جريدة أسبوعية متخصصة في التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع. وقدشغل سابقًا منصب رئيس مؤسسةإيمرج 85″، المتخصصة في استكشاف تغيرات الأسواق الناشئة وتأثيراتها العالمية.