حان الوقت كي ندرك أن “الاستدامة” و”التنمية” هي مصطلحات متناقضة

جوناثان جرونال

AFP Photo: Chandan Khanna

خلال الشهر الماضي، توقّعت شركة الطيران الأوربية إيرباص، أنه على مدار الأعوام العشرين المقبلة، سيتضاعف عدد الطائرات التجارية العاملة على مستوى العالم، وقام المديرين بالتقليل من المخاوف حول أثر تلك العملية على التغيُر المناخي، وذلك عبر إصرارهم على أن الشركة هي “المُدافع الأول عن مسألة تقليل الانبعاثات على مستوى العالم”.

ومنذ العام 1990، نجح التطور التكنولوجي فعليًا في تقليل نسبة استهلاك الوقود بالنسبة لكل مسافر/كم بمقدار النصف، لكن في الوقت ذاته فإن رحلات المسافرين تضاعفت 4 مرّات، لتصل إلى 4.2 مليار رحلة سنويًا، حيث قضت تلك الزيادة على أية مكاسب تتعلّق بالكفاءة، وبحلول العام 2037 سيصل عدد تلك الرحلات إلى 8 مليارات رحلة سنويًا.

وعقب التصريح الذي أصدرته شركة أيرباص بيوم واحد، كشفت دراسة للمجلس الدولي للنقل النظيف، عن أنه بين عامي 2013 و2018 زادت كمية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تسببت فيها الخطوط الجوية بنسبة 32%، وتلك النسبة تعُد أسوأ بمقدار 70%، عن النسبة التي توقعتها الأمم المتحدة، وهي تعادل ما تنتجه 50 محطة لإنتاج الطاقة عبر حرق الفحم.

وكان من المؤسف حقًا أن شركة أيرباص قامت بتقديم صورة مخادعة، فيما يتعلق بعجز صناعة الطيران عن تحمُل تبعات التوسعات المتسارعة، مع الحفاظ على التحسينات الموازية التي تخص كفاءة الوقود. لكن بوب لانج النائب الأول لرئيس شركة أيرباص، كانت لديه الجرأة للكشف عن الانفجار الكارثي المتوقع فيما يخص النقل الجوي، وقد كان هذا تصرفًا رائعًا منه فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وقال بوب لانج إن “النمو الذي شهدته تلك العملية أتى على نطاق واسع من الأشخاص الذين لم تكن لديهم مقدرة على النقل الجوي في السابق، الفكرة تتمحور حول ما يمكن لنا أن نقدمه لحماية الكوكب، وأن تلك العملية لن تتم دون وجود مساواة“، والطلب المتزايد على النقل الجوي سيأتي عبر الطبقة المتوسطة الصاعدة في عالم يشهد تطورًا متلاحقًا، والواقع، والحديث ل”بوب لانج”، أنه حتى لو قام المستهلكين في الولايات المتحدة بتقليل رحلاتهم بمقدار النصف (وهو ما لن يحدث بالطبع)، فإن هذا لن يكون له تأثير كبير على ]عدد[الأشخاص الذين يسافرون للمرة الأولى.

ومن ثم، كي نقوم بتحليل رسالة أيرباص، فيما يخص الزيادة المتسارعة في عملية النقل التي يشهدها العالم الآن: فإننا في العالم المتقدم قمنا بدفع الكوكب إلى حافة الهاوية، والعدل يقتضي أن تكون لدينا الآن الفرصة للتوقف عن التبذير في الحال”.

والنقل الجوي لا يعُد التهديد الوحيد للحياة على سطح الأرض، لكنه مقياسًا مفيدًا، يثبت كيف أن النمو الاقتصادي المتصاعد، والتنمية التي لو سُمِح لها بالانطلاق، سوف تلحق بالكوكب ضررًا لا يمكن إصلاحه، والمعضلة التي وجد العالم نفسه في مواجهتها تم تلخيصها في كلمتين، تمثلان العجز الذي نواجهه حاليًا فيما يخص ارتفاع درجة حرارة الأرض، وهاتين الكلمتين لا يصح أن تجمع بينهما جملة واحدة، وهما “الاستدامة” و”التنمية”.

واليوم، وفيما يتعلق بأهداف برنامج التنمية المستدامة التابع للأمم المتحدة، فإن هذين المصطلحين ستجدهما جنبًا إلى جنب، وكي ندرك الطبيعة المتناقضة لأهداف التنمية المستدامة، فإن تلك العملية قامت بالتركيز أولًا على فحص نتائج برنامج الأمم المتحدة السابق، الأهداف الإنمائية للألفية، الذي استمر من العام 2000 وحتى العام 2015.

وقد كانت هناك 8 أهداف، شملت القضاء على الجوع والفقر، وخفض معدل وفيات الأطفال، وتعميم التعليم الابتدائي على مستوى العالم، ومكافحة الأمراض القاتلة مثل الأيدز والملاريا، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وخلال التقرير الذي صدر في نهاية تلك الفترة (2015)، احتفلت الأمم المتحدة ب”الإنجازات الهامة” التي تحققت في جميع تلك المجالات، لكن هناك مسألة أغفلها تقرير الأمم المتحدة، وهو عدد أفراد الطبقة المتوسطة، الذي شهد زيادة ملحوظة، والجيش الواعد من مستخدمي صناعة النقل الجوي، والذي تضاعف 3 مرّات منذ العام 1990 وحتى العام 2015.

والوجه الآخر من هذا الإنجاز تمثّل في الجانب السلبي لبرنامج الأهداف الإنمائية للألفية، وهناك هدفًا واحدًا انصبّ حول الاستدامة البيئية وهذا الجانب يجب أن نحتفل به قليلًا، حيث أن هناك زيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم، بلغت نسبتها 50%، والقضاء على ملايين الهكتارات من الغابات، والاستغلال المُبالغ فيه لاحتياطيات الأسماك، واستمرار عملية تناقص المياه، الذي وصل تأثيره في العام 2015 إلى 40% من سكان الأرض، ومن المتوقع استمرار تناقص المياه، وذلك بسبب أن التنمية الدولية لا تخضع للمراجعة بشكل دقيق.

وبالنظر إلى برنامج التنمية المستدامة التابع للأمم المتحدة ومدته 15 عامًا، فقد انطلق في العام 2015، وهو برنامج أكثر طموحًا يشتمل على 17 هدفًا، وتلك المرة فإن الكلمة الرنانة تتمثّل في “التكامل”، وهو المبدأ الذي ظهر اعترافًا بحقيقة مؤداها أن “العمل في مجال معين سيؤثر على نتائج باقي المجالات، وأن التنمية يجب أن توازن بين الاستدامة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية”، وما نفتقده حقيقة هو وجود دليل ملموس حول مسألة أن ازدياد النمو في مقومات الحياة على مستوى العالم المتقدم، يمكن الوصول إليه دون القضاء على جهودنا، التي تعاني أصلًا من عدم توافر الإرادة كي نتجنب حدوث كارثة بيئية.

والواضح أنه يجب حدوث شيء، كي نصل إلى مرحلة التزامن بين التنمية والاستدامة، ولا يمكن لأي شخص أن يعارض الجانب الأخلاقي الخاص بخفض معدل وفيات الأطفال، وانتشال الملايين من الفقر، لكن القيام بذلك دون التقليل من استهلاك الوقود الحفري بالنسبة للفرد سيؤدي إلى كارثة.

وفي العام 2005، صرّح خبراء السكان في كلية لندن للاقتصاد بأن الانخفاض في معدل إنتاج ثاني أكسيد الكربون بمقدار 40%، وهو المتوقع بحلول العام 2050 في الدول المتقدمة، سيكون بلا فائدة بسبب النمو السكاني في العالم النامي، كما أن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أنه بحلول العام 2050 سيزيد عدد سكان العالم من 7 مليارات نسمة في الوقت الحالي ليصل إلى 10 مليارات نسمة.

وفي ذات الوقت، هناك إشارات في كل مكان تدل على أننا فقدنا التحكم في درجة حرارة الأرض، وخلال الأسبوع الماضي، أشار آخر تقرير صادر عن الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC)، إلى أنه بينما زاد مستوى سطح البحر بمقدار 15 سم على مدار القرن العشرين، فإن تلك النسبة صارت مضاعفة اليوم، وبمعدل 3.6 مم في العام الواحد، وقد حذرت ديبرا روبرتس الرئيس المشارك في مجموعة العمل الخاصة بالفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، من أن “الخيارات التي نلجأ إليها الآن هي خيارات حاسمة بالنسبة لمستقبلنا”، وقالت إن عملية ارتفاع درجة حرارة الأرض يمكن السيطرة عليها فقط حين تحدث تحولات غير مسبوقة في جميع مناحي المجتمع، بما فيها الطاقة والأرض والأنظمة البيئية والبنية التحتية [و] الصناعة”.

ومن اجل مصلحتنا جميعًا، بما في ذلك مصلحة الطبقة المتوسطة الصاعدة في العالم النامي، يجب أن يكون لدينا أمل في أن أشخاص ما في مكان ما يستمعون إلينا، ولو أننا لم نفعل ذلك، فإن هؤلاء المسافرون الجدد لن يستحقون السفر عبر العالم مستخدمين أساطيل الطائرات اللامعة الجديدة.

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.