أموال مخلوف “ممول الحرب” في قبضة الأسد

فيصل اليافعي

AFP Photo

استجداء مثير للشفقة لــ”رامي مخلوف”، أغنى رجل في سوريا وابن خال بشار الأسد من خلال نشر مقطعي فيديو خلال هذا الشهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تَحَسر فيه على حالة أعماله والضغوط السياسية التي يتعرض لها. كما ناشد الأسد بالتدخل،وهي المرة الأولى التي اشتكى فيها علنًا من نظام يبدو أنه يقلبه.

في نهاية العام الماضي ، قام مسؤولو الجمارك بالاستيلاء على بعض أصول مخلوف لدفع رسوم استيراد متأخرة بقيمة 21 مليون دولار. وهي مبالغ تعتبر ضئيلة بالنسبة لرجل كان  يسيطر على 60 في المائة من الاقتصاد السوري، إلا أن تلك علامة مقلقة على المعارضة داخل الدائرة الداخلية للنظام السوري.

جمعت بين آل الأسد وآل مخلوف الطائفة ذاتها والمصاهرة بين العائلتين، ليكون تزاوجًا بين السلطة والمال وتسخيره لخدمة مصالحهم العائلية فقط. تكون أم بشار الأسد  “أنيسة” عمة لمخلوف ، كما خدم والده حافظ الأسد، كما يشغل إخوانه مناصب مهمة داخل النظام إلى جانب الأسد ، إذن آل مخلوف هم النظام نفسه.

خلال مقاطع الفيديو التي تم الإعلان عنها ، بدا مخلوف خائفاً وخجولاً مخاطباً الرئيس السوري مباشرة.

يناشد ويطالبه بالتدخل، حيث صرح بأن تم مطالبة شركة “سيريتل” للاتصالات التي يملكها مخلوف، بدفع مئات الملايين من الدولارات من الضرائب المتأخرة. وبدت لهجة الاستعطاف والتذلل واضحة عليه، مضيفا أن”سيرتيل” لا تتهرب من دفع الضرائب، وتدفع كل قرش مستحق عليها. وقال إنه طُلب منه التنحي عن شركاته. كما ادعى بأن الأجهزة الأمنية بدأت “بمهاجمة حريات الناس” ، من خلال اعتقال بعض من موظفيه. وأشارت لهجته إلى أنه صُدِم بسلوك نفس الأجهزة الأمنية التي أمضى عقدين في تمويلها. يبدو هذا الشخص مثيراً لسخرية ملايين السوريين في المنفى.

ذلك الصدع يقدم لمحة نادرة عن الصراع على السلطة في قلب الدائرة الداخلية للنظام، كما يُسلط الضوء على الخلافات بين النظام ورعاته الجدد حول شكل الدولة السورية في المستقبل.

قليلون سيشعرون بالتعاطف مع مخلوف ، وهم محقون في ذلك. فهو يعيش الآن ما يعيشه الملايين في مخيمات اللاجئين والمنفيين في الخارج وذلك يترجم شعار النظام: بأنه لا أحد فوق النظام ويمكن التخلص من أيٍ كان (التخلي عن المجتمع والمواطنين والروابط الأسرية) في سبيل النظام الذي يقاتل من أجل البقاء. وذلك هو شعار النظام منذ بداية الثورة “الأسد أو نحرق البلاد”.

ولكن ما يحدث في سوريا الآن ، يساعد على فهم ما حدث في روسيا في عام 2003. في ذلك الوقت ، بينما كان فلاديمير بوتين يستعد للانتخابات التي ستؤدي إلى ولايته الثانية ، اعتقل فجأة أغنى رجل في البلاد ، ميخائيل خودوركوفسكي ، وطالب بمبالغ كبيرة في الضرائب المتأخرة من شركته النفطية يوكوس. ذهب خودوركوفسكي إلى السجن وبعد ذلك إلى المنفى واضطر يوكوس بعدها إلى إعلان افلاسه. واستهداف مخلوف يتبع نفس النهج وللسبب نفسه – وبالتأكيد سيلقى نفس المصير.

قبل 17 عامًا في روسيا ، كان بوتين يبني تحالفًا خاصًا لمصالحه قبل ولايته الثانية، وذلك يعني إزالة الأوليغارك (القلة) العصاة مثل خودوركوفسكي وإعطاء أصولهم (ممتلكاتهم) إلى مؤيدين أكثر ولاءً.

هناك إعادة ترتيب مماثلة في الديكتاتورية السورية. مع اندلاع الحرب الأهلية – إن لم يكن إلى نهايتها ، على الأقل حتى الوضع الراهن من الغليان – يتعين على النظام التكيف مع واقع جديد ، وهو الواقع الذي تمارس فيه إيران وروسيا نفوذًا كبيرًا في سوريا المدمرة مع عدد قليل من الأصدقاء الأجانب الآخرين .

تُفَضِل دائرة الأسد الداخلية إعادة بناء النظام بنفس الصورة الفاسدة التي كانت عليه من قبل ، والحفاظ على سيطرة الأسرة على الآليات السياسية والاقتصادية والعسكرية. لكن روسيا على وجه الخصوص تمارس ضغطًا هائلاً لتخفيف قبضة الدائرة الداخلية، على أمل إدخال نفسها بين القيادة السياسية والعسكرية للعلويين والطائفة الحاكمة والجيش والاقتصاد.

كما أن روسيا حريصة على الحصول على بعض التنازلات السياسية بشأن الدستور قبل دخول الأسد في الانتخابات الرئاسية المقبلة ، التي ربما تكون خلال أقل من عام. وستكون هذه هي الطريقة الوحيدة لكسب شرعية دولية كافية لفتح الطريق لإعادة أعمال الإعمار الضخمة التي تحتاجها سوريا بشدة والتي لا تنوي موسكو توفيرها لها.

الوقت ينفُد ، وإحباط موسكو يلوح بالأفق. منذ أسابيع ، بدأت وسائل الإعلام الروسية والمحللون المقربون من الكرملين بالتحدث عن الأسد ، والقاء اللوم عليه حول المشاكل الحالية في سوريا. حتى أن ألكسندر شوميلين ، رئيس مركز الدراسات الأوروبية في مركز الشرق الأوسط الممول من الدولة في موسكو ، قال إن القضية برمتها “مع شخص واحد – الأسد – ومرافقيه”

تعتبر تلك التحذيرات خطيرة ويبدو أن مخلوف عالق بين فكي الرؤى المتنافسة لنظام سوري مستقبلي.

من الواضح أن عائلة الأسد تنوي جلب المزيد من أصحاب المصلحة إلى الدائرة الداخلية لدعم النظام وتعزيز مكانتهم بحيث لا يمكن الاستغناء عنهم ، مما يعني توزيع الغنائم على نطاق أوسع. مخلوف هو الضحية الأكثر شهرة في إعادة التنظيم الحالي.

ومع ذلك ، بشكل استثنائي ، لا يبدو أنه يدرك الخطر الذي يعيشه. إن تسليم بضع مئات من ملايين الدولارات هو بالتأكيد أفضل من خسارة إمبراطوريته التجارية بأكملها. لكن كسر أُمرة النظام ، كما فعل ، هو تصعيد خطير ، خاصة أنه ليس لديه رتبة عسكرية أو فرقة عسكرية خاصة به لحمايته.

بالنسبة لرجل قضى حياته في دوس النظام ، لا يبدو أن رامي مخلوف يتعرف على ظل الحذاء الذي يحوم حوله بالفعل.

 

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وكتب تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.