يبدو أن الحل السوري مرجحًا في أوكرانيا

فيصل اليافعي

Image courtesy of Yuriy Dyachyshyn / AFP

لازالت الحرب في أوكرانيا مشتعلة منذ أكثر من 100 يوم، لكن خارج أطار الدول الغربية، يعتبر الصراع بمثابة الحرب “الهادئة” والمشتعلة في مكان بعيد، لكنها لا تستهلك نفس التركيز السياسي كما هو الحال في أوروبا الغربية.

ووجدت دراسة استقصائية أجرتها مجموعة “الإيكونوميست” أن ثلثي سكان العالم يعيشون في بلدان محايدة أو تميل إلى الجانب الروسي فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، وبعبارة أخرى “هذه الحرب ليست مشكلتي” بالنسبة لمعظم الناس خارج أطار الدول الغربية.

ولكن عواقب وآثار تلك الحرب هي مشكلة الجميع، فقد عطلت الحرب إمدادات القمح، ورفعت أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم وفاقمت التضخم العالمي، والعديد من الدول خارج أوروبا تعاني من عواقب وخيمة بسبب الحرب، وبدأ الميل ينتقل بعيدا عن التعاطف مع أوكرانيا.

حتى في إطار الدول الغربية، التي ظلت موحدة بشكل مثير للإعجاب، بدأت التصدعات والخلافات بالظهور.

وظهرت أولى تلك الخلافات حول قضية انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، حيث رفضت تركيا الموافقة على تلك الخطة ما لم ينه البلدان دعمهما للمسلحين الأكراد، وتركيا هي عضو منذ فترة طويلة في حلف شمال الأطلسي ولديها ثاني أكبر قوات مسلحة في الحلف.

وكان إيمانويل ماكرون أبرز زعيم غربي ينشق عن الصف، حيث قال في عطلة نهاية الأسبوع إنه “يجب على الغرب ألا يهين روسيا”، حتى يمكن أن يكون هناك اتصال دبلوماسي بعد انتهاء الحرب.

ومن غير المستغرب أن تلك التعليقات خلقت موجة غضب في كييف، التي شعرت بالقلق من أن مثل تلك التصريحات تفتح إمكانية تقديم تنازلات إقليمية في نهاية المطاف لروسيا وهي مكافأة دبلوماسية، لشن الحرب.

لكن تظهر تعليقات ماكرون نوع من التفكير داخل العواصم الأوروبية، وهو التفكير الذي يخشى أن تتحول حرب أوكرانيا إلى حرب لا نهاية لها وأن روسيا بحاجة إلى أن يُعرض عليها “مخرج “، وهناك آخرون ممن يبدو أن لديهم مخاوف مماثلة، وهم رئيس الوزراء الإيطالي “ماريو دراجي” الذي بدأ ثابتا على الموقف الأوروبي المتشدد، ولكنه مال نحو تسوية الخلاف من خلال التفاوض بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي في إيطاليا القليل من الدعم العام لمشاركة البلاد في الصراع.

وسيتبع الآخرون بالتأكيد ذلك المسار، فمائة يوم من الحرب يمكن أن تتحول بسهولة إلى 200 ثم إلى 300، وحتى السيناريو “المتفائل” الذي طرحه رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية الشهر الماضي، فقد تصور ذلك السيناريو انتهاء الحرب بحلول نهاية العام، أي بعد مرور 200 يوم آخرين، ولا يبعث ذلك على التفاؤل وفق المنظور الأوروبي.

وعليه أنقسم الغرب تدريجياً إلى معسكرين، معسكر واقعي ومعسكر أكثر تشبثاً برأيه.

وتم التعبير عن الموقف النهائي للمعسكر الواقعي من قبل وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر، الذي أخبر المنتدى الاقتصادي العالمي الشهر الماضي أنه سيتعين على أوكرانيا التنازل عن الأراضي لروسيا لإنهاء الحرب، وينظر الواقعيون إلى الآلام الاقتصادية والتضخم في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الذي بلغ أعلى مستوياته منذ عقود، فضلاً عن خطر التصعيد والبحث عن مخرج.

وتقود لندن وواشنطن المعسكر المتزمت، حيث إن الموقف الأنجلو أمريكي هو الاستمرار في دعم أوكرانيا بالمعدات العسكرية والاستخبارات من أجل توجيه ضربة قاسية لخطط روسيا قدر الإمكان، على الرغم من عدم ذكر ذلك الموقف بشكل صريح، وسيؤدي هذا إلى تقوية موقف أوكرانيا النهائي على طاولة المفاوضات، وردع روسيا عن أي عدوان مستقبلي تجاه الدول الأوروبية الأخرى، وعلى وجه الخصوص، دول الاتحاد الأوروبي الضعيفة في منطقة البلطيق.

لكن حتى هذا الموقف المتشدد له حدود،  ففي الشهر الماضي فقط، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقال حذرت فيها أوكرانيا من أنه سيتعين عليها اتخاذ “قرارات إقليمية مؤلمة”، حيث أن التهديدات الروسية المفتوحة الأسبوع الماضي بضرب “مراكز صنع القرار” إذا تم استخدام صواريخ طويلة المدى ضد الأراضي الروسية، وهي الصواريخ  التي وفرتها الولايات المتحدة، وقد أعطت تلك التهديدات الروسية للقادة الغربيين فرصة للتفكير، و(في حالة وجود أي غموض حول التهديد، أوضح رئيس الوزراء الروسي السابق دميتري ميدفيديف أن “مراكز صنع القرار النهائي في هذه الحالة … ليست في كييف”.

وما يتفق فيه كلا المعسكرين هو الاعتقاد بأن حرب أوكرانيا يجب أن تنتهي بتسوية تفاوضية، حتى لو كان شكل تلك التسوية محل نزاع حاد، لكن بعد مضي 100 يوم على الحرب، تبدو التسوية التفاوضية أبعد مما كانت عليه في بداية الصراع، وما يبدو مرجحًا بشكل متزايد، هو وجود صراع محتدم بشكل دائم، صراع لا تستعيد فيه كييف جميع أراضيها، ولا تغادر فيه القوات الروسية أبدًا، بمعنى آخر، يمكن أن يبدو وضع الصراع مثل وضع الصراع في سوريا إلى حد كبير.

ومن وجهة نظر موسكو، فإن عدم سيطرة أوكرانيا بشكل كامل على أراضيها قد يكون نتيجة “معقولة”، حيث راهن فلاديمير بوتين على مكانته السياسية بناء على انتصاره في أوكرانيا، وهو الأمر الذي حرص الغرب على حرمانه منه، لكن حربًا بلا نهاية قد ترغم الغرب على أجراء نوع من التسوية، سواء بعد 200 يوم أو بعد عامين، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وبمجرد أن يصبح الألم لا يطاق، خاصة إذا عصف الشتاء القاسي بأوروبا، فقد يكون الغرب على استعداد لإنهاء بعض العقوبات والتسامح مع وجود بعض القوات، كما هو الحال في سوريا، وستجد كييف أراضيها مليئة بالقوات الأجنبية التي لا تستطيع طردها وستعول على الحكومات في الخارج لدعمها.

وفي تلك الحالة ستبدو المساومة خيارا واردا، لكنه لن يكون كذلك، فقد تكون الحرب الطويلة في أوكرانيا بمثابة علامة ضعف لغزو بوتين الكارثي، لكن تلك الحرب ستخلق جرحًا دائمًا على حدود أوروبا.

 

يعمل فيصل اليافعي حاليًا على تأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق متكرر الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وعمل لقنوات إخبارية مثل ” ذا جارديان”  و “بي بي سي”  ونشر تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.