عندما يطمئن الأسد

فيصل اليافعي

لم تنته الحرب في سوريا بعد غير أن التهديدات الذي يتعرض لها نظام بشار الأسد انتهى منذ فترة طويلة. وتعتبر هذه السابقة غير منطقية في اعتبارات السياسة الخارجية. ويقال أن الأسد قد يضطر إلى التخلي عن السلطة بعد محادثات جنيف، أو بسبب التهديد الذي تشكله القوة الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة، فضلاً عن رفض الدول الغربية تقديم الملايين اللازمة لإعادة إعمار البلد الذي سكنه الدمار.

وفي تصريح له في لندن مؤخراً، اعترف نصر الحريري، وهو كبير المفاوضين في لجنة المفاوضات السورية التابعة للمنتدى الشامل لجماعات المعارضة السورية، أن المفاوضات لن تكون مجدية من غير وجود تهديد عسكري فعلي حقيقي في وجه النظام. وقال إن “استخدام النفوذ ضد النظام هو النقطة الحاسمة”، مؤكداً أن من غير ذلك فلن يتوافر الحل السياسي. 

وعلى الرغم من البيانات المتتالية الصادرة عن العواصم الغربية، فلا تزال المشكلة الأساسية في سوريا قائمة وهي عدم وجود تهديد عسكري موثوق به، وما من دليل على توافره حتى الآن ومن دونه فلا مصلحة للأسد في التفاوض.

أفضل ما يمكن أن يأمل به مؤيدو المعارضة في الغرب – وقد يدّعون توافره أحياناً -هو أن يكون الجهاز العسكري والأمني ​​الأوسع للنظام، أو حتىأن تكون العشيرة العلوية الأوسع على استعداد للتخلي عن الأسد مقابل العودة والانضمام إلى المجتمع الدولي.

غير أن هذا الموقف يعبر عن سوء فهم لتاريخ النظام على مدى العقود الأربعة الماضية، حيث أنه لم يسعى للانضمام إلى المفاوضات، بل إن نظام الأسد قد ازدهر في عزلته على الرغم من موقفه الحرج فكانت عزلته مصدر اطمئنانه.

ولطالما  توخى النظام السوري الحذر حيال التحالفات الوثيقة. فخلال حكم حافظ الأسد، لماّ ظهرت كافة مؤسسات وأفكار النظام على حقيقتها، كانت البلاد تسعى إلى الاستقلال في العلاقات الخارجية وكانت علاقاتها متوترة مع الدول الكبرى المحيطة لها سواء أكانت تركيا شمالاً أوالعراق شرقاً أو مع مصر غرباً. وحتى بعد توقيع النظام على “معاهدة صداقة” مع الاتحاد السوفياتي آنذاك في 1987، أبقى حافظ الأسد خطوط الاتصال مفتوحة مع واشنطن والدول الأوروبية. فكان للتحالف في قاموس الأسد الأب تفسيراً فريداً ألا وهو أن كل تحالف مؤقت.

وهناك عرف سياسي ينسب تارة إلى أنور السادات وتارة إلى هنري كيسنجر وهو بمقولة “لما كانت الحرب مستحيلة في الشرق الأوسط من دون مصر، فالسلام فيه مستحيلٌ من دون سوريا”. وأدرك حافظ الأسد ذلك تماماً حيث دأب نظامه في التصرف بطريقة تمنع الآخرين من تحقيق أهدافهم السياسية.

أما غرائز الأسد الأب السياسية فتشكلت في الأيام العصيبة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، فكانت شديدة الاستقلال وكان ينتمي إلى حزب البعث في سوريا عندما حلته مصر خلال فترة قصيرة اتحد خلالها البلدين. وتحرّض على النفوذ المصري في سوريا خلال هذه الفترة، عندما اتحد البلدان تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة. وفي وقت لاحق، كان الشعور نفسه تجاه حزب البعث في العراق أنه يسعى إلى نفوذ لا مبرر له في دمشق.

وبالتالي، فإن النظام الذي أنشأه غالباً ما كان يلعب دور المفسد الساعي إلى تعطيل خطط القوى الأخرى في بلاد الشام. وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت النفوذ السوري في لبنان كبيراً تحت قيادة حافظ الأسد، فأمسى لبنان مسرحاً للتآمر حول القضية الفلسطينية مّما منح الأسد نفوذاً في الدوائر الفلسطينية، في إسرائيل والأردن. وكان هذا النفوذ مدخلاً إلى القاهرة، وكان ذلك من أهم أهدافه. وبفضل نفوذه على جاره الأصغر، تمكن الأسد من إحباط خطط الآخرين لا محال، حتى لو لم تتحقق خططه الخاصة.

أما الآن فبشار الأسد، ابن حافظ وخليفته، يعود إلى الأراضي المألوفة. لقد أصبحت حال سوريا ما كان حال لبنان لسنوات عديدة، رقعة في لعبة شطرنج تنفّذ عليها استراتيجيات القوى العالمية مثل الولايات المتحدة وروسيا والقوى الإقليمية مثل إيران وإسرائيل وتركيا. لكلّ من أولئك مصالح في سوريا -والأسد في دمشق هو المحور المشترك.

في الواقع، تظهر بالفعل بوادر توتر بين أولئك الذين أنقذوا نظام بشار الأسد. حيث ظهر قلق طهران بشأن ما يمكن أن تقوم به روسيا حيال وجود الميليشيات الإيرانية في البلاد كما تقلق روسيا بشأن ما يمكن أن تقوم به تركيا تجاه وجود الميليشيات الكردية على حدودها. وسيستغل نظام الأسد هذه التوترات استغلالاً تاماً.

وهذه بوادر أزمة خطيرة حيث تتكتل القوات التركية على الحدود مع سوريا وفي ظل الهجوم على بلدة عفرين السورية، التي تسيطر عليها حالياً وحدات حماية الشعب الكردية، وهي ميليشيا كردية سورية.

تبرز عفرين الأولويات المتضاربة لللاعبين في الحرب السورية. أما تركيا فتعتبر فإن وحدات حمایة الشعب مجموعة إرهابية، متحالفة مع حزب انفصالي كردستاني شن تمرداً داخل ترکیا علی مدى سنوات عدیدة. أما روسیا، فتعتبر أن تواجد المقاتلين الأكراد في سوریا يفيد مصالحها بل سمحت للجناح السياسي لوحدات حمایة الشعب بفتح مكتب في موسكو. منذ شهور، ازداد التوتر بين تركيا وروسيا تصاعداً حول هذه النقطة. ولكن عندما أعلنت الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا الشهر أنها ستجمع قوة تشمل 30 ألف جندياً لتسيير دوريات على الحدود التركية، أعادت موسكو – والتي لربما وافقت على الهجوم التركي على عفرين – النظر في حساباتها.

ما يحدث الآن في عفرين خير دليل على سهولة الدور التخريبي الذي يلعبه النظام وتشجيعه للمواجهات بين الجانب والآخر أو كما هو الحال مع داعش دعمه لصعود أعدائه لتعزيز دوره باعتباره الأساس المزعوم للاستقرار. وجعل النظام هذه الحيلة جزء من مسرحيته والتي دامت أربعة عقود على مسرح تعدت خشبته حدود سوريا. فبقي الأسد مطمئناً مرتاحاً في هذا الفضاء السياسي.

وفيما تتحرك جیوش دول أخرى بحرّية تامة على الأراضي السورية، وفي حین یعامل بشار الأسد علناً ​​کأحد توابع الرئيس الروسي فلادیمیر بوتین، يسهل الاعتقاد بأن النظام ينازع ویکافح من أجل تثبيت نفسه. ولكن المظاهر قد تكون خادعة. وكما تفعل راقصة الباليه فهو يتكئ على ساقه الخلفية ليسهل عليه تغير مساره.

AFP PHOTO / George OURFALIAN