طهران تريد من الإيرانيين – الأمريكيين الشعور بالإقصاء والديمقراطيون الأمريكيون يساعدون على ذلك

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Don Emmert

النظام الإيراني نجح في العثور على كنز دفين: ألا وهو الإيرانيين – الأمريكيين، وهناك إحصاءات متفاوتة لكن على أقل تقدير هناك نصف مليون أمريكي من أصل إيراني يعيشون على أراضي الولايات المتحدة، وبينما يُعتبر مُعظم هؤلاء من المعارضين الأشداء للجمهورية الإسلامية؛ فإن هناك آخرون إما لديهم وجهة نظر محايدة وإما لا علاقة لهم بالسياسة؛ حتى الآن على الأقل.

والواقع أن حقبة (السياسة القائمة على الهوية) التي انتشرت في أمريكا والعالم بشكل عام، سمحت لإيران بإعادة إحياء النزعة الوطنية المتشددة لدى الأمريكيين من أصل إيراني، وغالبًا ما كانت تتم تلك العملية عبر إقناع الإيرانيين – الأمريكيين، بأنهم مهما طالت إقامتهم في الولايات المتحدة ستتم معاملتهم كالأغراب، ونتيجة لذلك؛ بات الكثير من الإيرانيين – الأمريكيين لا يعتبرون أنفسهم أمريكيين من أصل إيراني، بل مواطنين إيرانيين يعيشون في الشتات، كجماعة منفية تعيش بصورة مؤقتة في الولايات المتحدة.

ويُعتبر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بمثابة المحرك الرئيسي وراء تلك النزعة، والذي يعُد بالفعل مواطنًا إيرانيًا –  أمريكيًا، وقد كان ظريف واحدًا من عدة آلاف من الشباب الإيراني الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة، من أجل الدراسة خلال حقبة السبعينات من القرن الماضي، وفي تلك الفترة؛ كان الإيرانيون يمثلون أكبر مجموعة من الطلاب الأجانب على مستوى الولايات المتحدة، وقد كان ظريف واحدًا من هؤلاء الطلبة في الفترة من العام 1977 وحتى العام 1988، حيث كان مكانه في البداية مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، ثم مدينة دنفر بولاية كولورادو. واليوم؛ فإن حوالي 40% من الإيرانيين – الأمريكيين الذين يعيشون في كاليفورنيا – وتحديدًا في منطقة لوس أنجلوس، أعطوا زخمًا للألقاب، مثل “طهرانجلوس” (مواليد طهران الذين يعيشون في لوس أنجلوس)، و”إيرانجلوس” (المواطنين الإيرانيين الذين يعيشون في لوس أنجلوس)، ومن الغريب حقًا أن ظريف لم يقم بتكوين صداقات خلال فترة إقامته في كاليفورنيا.

وخلال الفترة من العام 2002 وحتى العام 2007 شغل ظريف منصب مندوب إيران لدى الأمم المتحدة، وقد أظهرت وثائق المحكمة الأمريكية أنه خلال تلك الفترة؛ كان على صلة وثيقة مع شخصيات بارزة من اللوبي الإيراني الواعد، وقد اصبح اللوبي الإيراني من أكبر الجماعات ذات النفوذ على مستوى واشنطن، حيث بات لهذا اللوبي علاقات مع الحركة الأمريكية المناهضة للحرب، كما أن هذا اللوبي انتفع من توجه الحزب الديمقراطي في نشر السياسة القائمة على الهوية بدلًا من صراع الطبقات، وقدّم اللوبي الإيراني العون للرئيس أوباما خلال محاولات التقارب وفتح حوار مع إيران، ولا زال مسئولي إدارة أوباما يحتفظون بعلاقات ممتازة مع الشبكة الموالية لملالي إيران في واشنطن.

وأغلب أعضاء هذا اللوبي الإيراني الناشئ تقريبًا يصرون على أنهم ضد النظام، وذلك على الرغم من أن المقالات والكتابات والمنشورات الخاصة بهم على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهِر بوضوح أنهم يساندون الملالي، ويتلخص موقفهم في أن العقوبات أو التهديد بالحرب، أو ممارسة أي نوع من أنواع الضغط على إيران هو في الواقع هجوم على المواطن الإيراني العادي البسيط، حتى أن أحد كُتّاب الأعمدة في صحيفة واشنطن بوست وهو إيراني – أمريكي يقول إن فرض العقوبات على الحرس الثوري الإيراني – وهو العمود الفقري للنظام الإيراني – يؤدي إلى الإضرار بالمواطنين الإيرانيين العاديين.

وخشية اتهامه بالسلبية المفرطة؛ فإن هذا اللوبي الإيراني لديه سياسات خاصة بديلة لتقديم المقترحات لما يسميه “نظام واشنطن”، (واللافت للنظر أن هذا المصطلح يستخدمه كل من اللوبي الإيراني ومسئولي إدارة أوباما السابقين لوصف الحكومة الأمريكية المنتخبة)، والمقترح الإيراني – الأمريكي المقدم لواشنطن يتلخص في رفع جميع العقوبات وترك الإيرانيين يبيعون نفطهم ويشعرون بالازدهار، ومن أجل التمهيد لتلك الخطة فهم يستشهدون بالاتحاد السوفيتي، وحجتهم أن التهديدات والمعاملة السيئة لم تؤدي إلى انهيار اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، بل أن ما أدى إلى انهيار هذا الكيان هو “تطبيع” العلاقات مع الولايات المتحدة، وبناء عليه؛ إذا ما قامت واشنطن بتخفيف الضغط على طهران فإن نظام الملالي في طهران سوف ينهار مثل الاتحاد السوفيتي.

وكخطة، فإنها أقل حكمة وبصيرة من الخطة الأمريكية الخاصة بالوضع في أعقاب حرب العراق، ونحن لا نحتاج التذكير بأن انهيار الاتحاد السوفيتي لم يأت بدولة ديمقراطية على أنقاضه. والتجربة الصينية التي تعد المعجزة الاقتصادية على مدار الأعوام العشرة السابقة، لم تثبت حتى الآن أن الرخاء من الممكن أن يضع حدًا للاستبداد، لذا هل سيؤدي ضخ المزيد من الدولارات إلى ملالي إيران إلى كبح السياسة العدوانية لطهران على المستوى الإقليمي، أو تسريع الانهيار السياسي لهذا النظام؟.

واللوبي الإيراني وحلفائه من الحزب الديمقراطي يدّعون أن ما يحركهم ببساطة هي الإنسانية، لكن تلك الإنسانية تنطبق فقط على إيران، وحينما يأتي الأمر إلى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ الذين يجرؤون على تحدي إيران؛ فتلك قصة مختلفة. وهؤلاء ذاتهم الذين ينادون برفع العقوبات المفروضة على طهران – لأنها تلحق الضرر بالإيرانيين العاديين – يطالبون بفرض عقوبات على دول عربية بسبب الحرب في اليمن، ومن الواضح أن المواطنين العرب العاديين ليست لهم ذات الأهمية، وفجأة يصبح هؤلاء الإيرانيين – الأمريكيين أمريكيون حتى النخاع. وعلى المستوى الاستراتيجي؛ فإن حجة هؤلاء هي أن الولايات المتحدة ليست بحاجة لحلفاء من العرب، وبناء عليه لم لا تتعامل واشنطن بفظاظة مع الحكومات العربية، وبمعنى أصح لم لا تحاول واشنطن الإطاحة بتلك الحكومات؟.

وذلك هو أصل النفاق، واللوبي الإيراني يخفي دعمه لنظام استبدادي بدعوى الخوف على الإيرانيين العاديين، الذين يتطلعون في الواقع للخلاص من النظام الإيراني، وفي الوقت ذانه فإن أعضاء هذا اللوبي يقومون بتشجيع النزعة المعادية للعرب، وهُم يرتدون قناع المواطنين الأمريكيين.

والعداء بين إيران والعرب هو عداء طويل الأمد، والإيرانيين المتشددين الذين يعيشون في أمريكا (إيرانيي الشتات) يدّعون أن إيران هي أقدم دولة على وجه الأرض، وأنها نشأت في العام 3200 قبل الميلاد، وهم يقولون إن إيران كانت تتباهى بحضارتها في وقت كان العرب هم مجموعة من البدو غير المتحضرين. ونحن لا نحتاج القول أن هذا هو تحريف للتاريخ، وهناك مدينة أوروك؛ وهي المدينة القديمة التي تم اشتقاق اسم العراق منها، وقد تأسست تلك المدينة قبل ألف عام على أقل تقدير، والإيرانيين اليوم يستخدمون الخط العربي لكتابة لغتهم الفارسية، ومعظمهم يتبعون دينًا انتشر عبر شخص عربي في شبه الجزيرة العربية.

والواقع أن الولاء لدولتين هو أمر صعب، وخلال الحرب العالمية الأولى تمت إعادة تسمية الأمريكيين من أصل ألماني، وباتوا يُعرفون بالألمان – الأمريكيين، وقد دفعوا بالرئيس “وودرو ويلسون” لأن يعلن أن “أي شخص مزدوج الانتماء يحمل معه خنجرًا، حيث يكون مستعد لتوجيهه صوب الأعضاء الحيوية للجمهورية، متى باتت الفرصة سانحة أمامه“، والقلق الذي كان ينتشر بخصوص أقارب هؤلاء الأشخاص، الذين يعيشون في ألمانيا، تم تأويله على أنه دعم للإمبراطورية الألمانية. وفي الحرب العالمية الثانية كانت هناك مواجهات عنيفة بين الألمان – الأمريكيين (بمن فيهم من هو مع أو ضد النازي)، وبين أشباههم من المواطنين الأمريكيين الذين تعود أصولهم إلى دول قامت ألمانيا بالهجوم عليها، والأمريكيين المجنسين الذين مارسوا العمل السياسي أو خدموا كدبلوماسيين في بلادهم الأصلية، قاموا بالتخلي عن المواطنة الأمريكية للأبد.

وأمريكا هي دولة المهاجرين، حيث أن الكثير من الأمريكيين يحتفلون بتراثهم بكل فخر، وهو أمر جيد، وهناك خيط رفيع يفصل بين الاحتفال بهذا الإرث وبين الانحياز لنظام أجنبي يكن العداء لأمريكا، وسواء كان ذلك عن عمد أو بغير عمد، فإن بعض الإيرانيين – الأمريكيين قاموا باجتياز هذا الخيط الرفيع.