الهجوم على أرامكو السعودية يهدد الاقتصاد الدولي، لذا لِم لا يقوم اللاعبين الآسيويين الكبار بفعل المزيد لأجل أمن الخليج؟

حسن الحسن

AFP Photo: Fayez Nureldine

بينما تركزت أنظار العالم حول رد الفعل الغربي على هجمات 14 سبتمبر التي استهدفت شركة أرامكو السعودية، فإن عمالقة مستوردي النفط في بيجين ونيودلهي وطوكيو وسيئول، قاموا بترديد بعض الإدانات الضعيفة لحادث يهدد بالقضاء على الاقتصاد الدولي، والواقع أن رد الفعل الباهت للقوى الآسيوية الأربع، يكشف عن غياب أية استراتيجية لدى العواصم الآسيوية، للتعامل مع مسألة الأمن في منطقة الخليج، إذا ما قرر الأمريكيين نفض أيديهم من المنطقة.

ويعُد هجوم أرامكو بمثابة نقطة تحول فيما يخص نموذج الأمن الإقليمي بمنطقة الخليج، ومنذ الثمانينات من القرن الماضي على الأقل، فإن منظومة الأمن الإقليمي بالخليج كانت تستند بالأساس، على فرضية تدخُل الولايات المتحدة عسكريًا لحماية مصالحها الحيوية؛ خاصة النفط، وتلك الفرضية تم التأكيد عليها بطريقة مذهلة، حين أمر الرئيس جورج بوش الأب بالتدخُل عسكريًا لطرد قوات صدام حسين من الكويت خلال حرب الخليج 1990 – 1991.

والواقع أن الآثار المُدمّرة لهجوم أرامكو تجاوزت تلك الخاصة بالغزو العراقي للكويت، لكن رد الفعل غير الواضح للرئيس دونالد ترمب كشف عن أن حقبة ضمان الأمن الأمريكي في الخليج قد ولّت. وفي بداية الأمر، قام ترمب بنشر تغريدة على موقع تويتر مؤداها إن الولايات المتحدة باتت على استعداد لمواجهة إيران، لكنه بعد ذلك قام بتغيير موقفه، حيث أعلن أن الولايات المتحدة وبصفتها باتت تقوم بتصدير النفط، فإنها “لا تحتاج نفط وغاز الشرق الأوسط”.

وكما هو الحال في الكثير من الأحيان، فإن ادعاء ترمب كان مُبالغًا فيه، وخلال العام 2017 بلغت واردات النفط الخام الأمريكية من الخليج 20% من استهلاك الولايات المتحدة، وذلك وفقًا للبيانات التي قامت بجمعها مركز رصد التعقيدات الاقتصادية بجامعة ماساتشوستس للتكنولوجيا. وظلّت الولايات المتحدة عُرضة لتقلبات الأسعار في أسواق النفط والغاز العالمية.

والحقيقة أن التفكك التدريجي الذي اصاب منظومة الأمن الخليجي، جعل القوى الآسيوية في حالة من التشويش،  والاقتصادات الآسوية وصلت إلى مرحلة من النمو جعلتها تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط، وذلك للوفاء بالطلب المتزايد على النفط، وهو ما يصل إلى 70% في الصين، وإلى حوالي 100% في اليابان، وذلك وفقًا لتقارير معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة. وبشكل لا لبس فيه، فإن الاقتصادات الآسيوية تشتري مُعظم النفط من دول الخليج، وبصفتها تمتلك حصة من واردات النفط، فإن منطقة الخليج تقوم بتصدير 44% من استهلاك الصين و86% من استهلاك اليابان، كما أن هناك الهند (63.6%) وكوريا الجنوبية (77.1%). وذلك وفقًا للتقرير الصادر عن مركز رصد التعقيدات الاقتصادية بجامعة ماساتشوستس للتكنولوجيا في العام 2017، علاوة على ذلك؛ فإن المملكة العربية السعودية تتصدر قائمة الدول المصدرة للنفط، فيما عدا الهند التي تلجأ غالبًا للعراق من أجل الحصول على النفط.

وبسبب اعتماد القوى الآسيوية على نفط الخليج؛ فقد كانت تلك القوى مرارًا وتكرارًا ضحية للتوتر الإقليمي المتصاعد في منطقة الخليج، وفي يونيو الماضي؛ حدث هجوم بالألغام، نُسِب إلى إيران، وأدى الهجوم إلى حدوث فتحة في ناقلة نفط يابانية كانت ترسو في ميناء الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة، وقد تم الهجوم بعد ساعات قليلة من زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي إلى طهران، والتي كانت تهدف إلى خفض التصعيد في المنطقة. وفي يوليو، قامت البحرية الإيرانية باحتجاز أكثر من 30 بحارًا هنديًا كانوا على متن ناقلات نفط تحمل علمي بريطانيا وبنما في الخليج، ولم يتم  الإفراج الا عن بعضهم حتى الآن.

أما أحدث الهجمات التي استهدفت منشآت شركة أرامكو السعودية، فقد استُخدِمت فيها صواريخ كروز والطائرات المُسيّرة، وعلى أي حال؛ فإن هذا الهجوم يعُد تصعيدًا إيرانيًا غير مسبوق، كما أنه بات دليلًا على ان إيران باتت مستعدة لتهديد الاقتصاد العالمي، وقد ارتفعت أسعار النفط بشكل هائل في أعقاب الهجوم، حيث صعد سعر خام برنت 20% ليصل إلى 71 دولارًا للبرميل. أما الاقتصادات الآسيوية، ونظرًا لاعتمادها على واردات النفط والطلب المتزايد على الطاقة، فإن تلك الاقتصاد لديها حساسية تجاه التقلبات التي تصيب أسعار الطاقة العالمية، وفي الهند على سبيل المثال؛ فإن زيادة مقدارها 10 دولارات في سعر برميل النفط تؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2%، وذلك وفقًا لتقارير مؤسسة نومورا.

ومما زاد الأمر سوءًا، هو أن المنشآت المُستهدفة في “بقيق” و”خريص”، تقوم وحدها بتزويد الاقتصادات الآسيوية بما يعادل 2.5 – 2.7 مليون برميل من النفط يوميًا، وذلك وفقًا لتقارير مؤسسة وود ماكنزي لاستشارات الطاقة، ورغم تأكيدات مؤسسة أرامكو السعودية؛ فإن مصافي النفط اليابانية وشحنات النفط العملاقة التي تذهب إلى الصين والهند، تم إخطارها مرارًا بالتغيرات في نوعية النفط الخام، من الخفيف إلى الثقيل إلى المتوسط، وذلك وفقًا لتقرير وكالة رويترز، واشار التقرير إلى أن تلك العملية دفعت بالقوى الآسيوية إلى البحث عن بدائل على المدى القصير، وعلى الرغم من أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية تتباهى بما لديها من احتياطيات استراتيجية؛ فإن المحللين بمؤسسة وود ماكنزي يرون أن سد الفجوة عبر ضخ نوعيات مناسبة من النفط الخام، سيكون بمثابة تحد حقيقي إذا ما استمر النقص في النفط، في الوقت ذاته فإن احتياطيات النفط في الهند غير كافية بالمرة، حيث بلغت مقدارًا ضئيلًا مقارنة بنظراء الهند في القارة الآسيوية.

وخلال السنوات الحالية، فإن الاستثمارات التي تقوم بضخها شركات الطاقة الآسيوية المحلية، في مشروعات النفط والغاز بمنطقة الخليج، جعلت حكومات تلك الدول معنية بالاستقرار في منطقة الخليج. وفي العام 2018، قامت شركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك) وحدها بالتوقيع على عقود قيمتها 1.6 مليار دولار مع شركة سي إن بي سي الصينية، وهناك عقود للشركة الإماراتية بقيمة 600 مليون دولار مع شركة فيديش الهندية، وكي نقوم بتحليل هجوم أرامكو بطريقة دقيقة، نجد أن القوى الأخرى المنتجة للنفط، بما فيها الإمارات العربية المتحدة والكويت، باتت مثلها مثل المملكة العربية السعودية عُرضة للصواريخ الإيرانية والطائرات المُسيّرة المحملة بالمتفجرات.

واليوم، فإن رد فعل القوى الآسيوية على الهجوم، كان مختلفًا تمامًا عن رد كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والسعودية على إيران، وكان رد فعل القوى الآسيوية مخيبًا للآمال بصورة واضحة، وخلال الإدانات التي صدرت عن تلك الدول، لم تقم أيًا منها بتوجبه أصابع الاتهام إلى طهران، ولم يبد أيًا منها استعدادًا للمشاركة في الرد على تلك الاستفزازات، واستبعد وزير الدفاع الياباني اللجوء إلى الخيار العسكري لأنه ضد دستور البلاد، أما الهند فقد قامت مرارًا بتجنُب الاشتراك في ترتيبات الأمن الجماعي التي تقودها الولايات المتحدة في كل من الخليج والقرن الإفريقي.

وأخيرًا، وبما أن القوى الآسيوية مستمرة في الامتناع عن محاولة عقاب أو ردع الاعتداءات الإيرانية المستقبلية، فأغلب الظن أن العلاقات بين تلك الدول وبين الخليج ستظل في الإطار الاقتصادي. وعلى الرغم من تنامي القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي للقوى الآسيوية، فإن تلك القوى لن تتحول إلى لعب دور استراتيجي في منطقة الخليج خلال الفترة القادمة، وبما أن القوى الآسيوية تتحاشى مسألة تحمُل مسئوليات أمنية على نطاق واسع في منطقة الخليج، وبما أن الولايات المتحدة قامت بتعديل الالتزامات الأمنية الخاصة بها على مستوى العالم، فإن الاضطرابات ربما تصبح علامة مميزة لمنطقة الخليج، التي لا تزال مصدرًا حيويًا للطاقة على مستوى العالم.

حسن الحسن هو باحث في معهد الهند بجامعة كينجز كولدج لندن، وهو زميل زائر في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وقد شغل سابقًا منصب كبير المحللين في مكتب المساعد الأول لرئيس وزراء البحرين.