تحول المعركة الدائرة بين الولايات المتحدة وروسيا لبسط نفوذهم في الشرق الأوسط من الأرض إلى البحار وما ورائها

نور سماحة

AFP photo: Pavel Golovkin

في شهر مارس؛ وقعت كل من قبرص واليونان وإسرائيل على إعلان ثلاثي من شأنه أن يسفر عن عدة أشياء منها زيادة التعاون في مجال الأمن الإقليمي، والتركيز على الاستقلال في مجال الطاقة، والعمل على مشروع إحضار الغاز الطبيعي من إقليم شرق المتوسط إلى أوروبا، ومن ثم تقليل الاعتماد على روسيا، وقد وصف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الاتفاقية بأنها “مناسبة بشكل لا يصدق”، ولا توجد إشارة أوضح من ذلك على أن الصراع بين أمريكا وروسيا على تقسيم الشرق الأوسط قد انتقل لمنطقة البحر المتوسط.
وقد أتت الخطوة التالية من لعبة القوة الجيوسياسية بعد شهر واحد في واشنطن، عبر تمرير “قانون شراكة الطاقة والأمن في شرق المتوسط للعام 2019″، وهو مشروع قانون حصل على تأييد الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حيث يعمل على توفير الدعم الكامل لخطوط الأنابيب، وزيادة التعاون الأمني بين الدول الثلاث (منذ أن أُطلِق عليها المبادرة التعاونية 3+1)، وفي يونيو؛ أقر مجلس الشيوخ الأمريكي تعديلاً على قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي، ورفع الحظر المفروض على تصدير الأسلحة لقبرص بعد أن استمر لعقود. وخلال الشهر الحالي أصدرت موسكو تصريحات قوية رنانة في الإعلام التركي، حول إمكانية التعاون بين الشركات الروسية وتركيا، في مجال حقول الغاز التي تقع بإقليم شرق البحر المتوسط>

يتفق مُعظم خبراء النفط والغاز على أن مشروع خط غاز شرق البحر المتوسط هو مجرد حلم، وتبلغ تكلفة المشروع حوالي 7 مليارات دولار وهي تكلفة يستحيل أن تأمل قبرص واليونان وإسرائيل في استعادتها عبر بيع الغاز إلى أوروبا، حيث لا يمكن لتلك الدول منافسة روسيا على الأسعار، كما أن استمرار الأزمة القبرصية – التركية جعل شركات الغاز تتردد في التورط في تلك العملية، مما جعل المشروع غير قابل للتطبيق تجاريًا.
لكن الدعم الأمريكي الهائل لهذا المشروع لا يتعلق في الواقع بتطوير خط الغاز، وإنما يتعلق بعملية إعادة تشكيل تحالفات وبسط النفوذ وتأمين إمدادات الطاقة. وفي مارس حذّر بومبيو من أن “الدول الرجعية مثل إيران وروسيا والصين تحاول أن تجد لها موطئ قدم في الشرق والغرب”، وأضاف أنه بالنسبة للولايات المتحدة ، فإن إسرائيل وقبرص واليونان “شركاء رئيسيون عظيمون في الأمن والازدهار”. “- ، وقد تردد صدى تلك المشاعر في مشروع القانون المُقترح ، والذي يُركز على دعم “الجهود الأوروبية التي ترمي إلى تنويع مصادر الغاز، وعدم الاعتماد فقط على شحنات الغاز الطبيعي القادمة من الاتحاد الروسي”، والتصدي ” لتدخل الاتحاد الروسي وبسط نفوذه في منطقة شرق المتوسط”.
تحاول الولايات المتحدة بالفعل أن تحد من إمدادات الغاز الروسي لأوروبا، عبر التهديد بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية المشارِكة في مشروع تطوير خط الغاز نورد ستريم 2، والذي يرمي إلى شحن الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، والآن تحاول الولايات المتحدة التودد إلى اليونان وقبرص، -اللتين تجمعهما علاقات قوية وممتدة مع روسيا- لضمهما إلى دائرة النفوذ الأمريكي عبر مبادرة 3+1.

يزخر مشروع القانون المُقترح بالعديد من الحوافز، مثل منح الدولتين ملايين الدولارات في صورة مساعدات عسكرية، فضلًا عن رفع الحظر المفروض على تصدير الأسلحة إلى قبرص، وفي المقابل تريد الولايات المتحدة أن تلغي قبرص الاتفاقية التي أبرمتها عام 2015؛ والتي تسمح للسفن الحربية الروسية بالدخول إلى المناطق القبرصية، ورغم أن الولايات المتحدة لديها الآن قاعدة عسكرية في خليج سودا بجزيرة كريت، إلا أن واشنطن تريد أن تمد نطاق حضورها ليشمل الأراضي اليونانية، وقد وصل بالفعل أسطول من المقاتلات الأمريكية طراز اف 35 العسكري للقاعدة العسكرية البريطانية في قبرص، والمُزمع إرسالها إلى سوريا.
وفي هذه الأثناء ، قامت روسيا بالتودد في المجال الجيوسياسي على طريقتها الخاصة، حيث قامت بتعزيز العلاقات مع تركيا عبر مجموعة من الخطوات، ومنها الاشتراك في خط أنابيب ترك ستريم، الذي سيُنقل الغاز الروسي من خلاله إلى تركيا ومنها إلى جنوب أوروبا، كما عمدت موسكو إلى تدعيم العلاقات مؤخرًا ببيع المنظومة الدفاعية الصاروخية اس-400 إلى تركيا.
وفي لبنان؛ كانت شركة نوفاتيك الروسية واحدة من الثلاث شركات الفائزة بعقود للتنقيب عن الغاز قبالة الساحل اللبناني، وبحلول شهر يناير؛ وقعت الشركة عقدًا مع الحكومة اللبنانية مدته 20 عامًا، للحفاظ على منشآت التخزين الواقعة في مدينة طرابلس شمالي لبنان وتوسيع نطاقها، تواصل روسيا تقديم الصفقات العسكرية للبنانيين ودعمهم (عليها من الأمر الذي لم توافق عليه حكومة بيروت حتى الآن)، ومؤخرًا عرضت روسيا التوسط بين لبنان وسوريا فيما يتعلق بتعيين الحدود البحرية بين الدولتين – وهي الخطوة التي من شأنها إتمام عملية الحضور الروسي المهيمن على قطاع الطاقة في سوريا، فضلًا عن الاتفاق الذي مدته 50 عامًا، والذي يسمح باستغلال قاعدة حميميم الجوية السورية، وهناك اتفاقية أخرى مدتها 50 عامًا لصيانة ميناء طرطوس وتوسيعه وتشغيله ، فضلًا عن الصفقات الرابحة الخاصة بالاستفادة من الفوسفات في سوريا.
كما عمدت روسيا إلى مشاركة مصر وإسرائيل – وكلاهما من الحلفاء الأقوياء للولايات المتحدة – وذلك بتوقيع العديد من صفقات السلاح مع المصريين، والاحتفاظ بوجودها في حقل غاز ظهر ، والذي يقع في المياه المصرية، ويعُد أكبر حقول الغاز المُكتشفة في مياه البحر المتوسط حتى الآن.
لكن المعركة بين روسيا وأمريكا تتجاوز نطاق الأرض، والبحر، وخطوط الغاز، والصفقات العسكرية، لتشمل أيضًا الكنيسة الأرثوذكسية، فمن الناحية التاريخية ربطت تلك الكنيسة كلاً من اليونان وقبرص بروسيا، ولكنهما أظهرا مؤخرًا تحولًا واضحًا نحو الولايات المتحدة.
وفي شهر يناير؛ اعترف الأب برثولماوس بطريرك القسطنطينية، والأب الروحي للمسيحيين الأرثوذكس في جميع أنحاء العالم والبالغ عددهم 300 مليون شخصًا، بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية، والتي انفصلت العام الماضي عن بطريركية موسكو، التي أدانت بدورها تلك الخطوة، ومن ثم أعلنت عن قطع العلاقات مع بطريركية القسطنطينية فورًا. ورغم أن الكنيسة الأرثوذكسية في قبرص حذت حذو مثيلتها فيما يتعلق بأمر الاعتراف ، إلا أن تلك المسألة لم تُحسم بعد في نطاق الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، أما الولايات المتحدة التي حرصت على الاستفادة من هذا الشقاق القائم مع روسيا، فقد ألقت بثقلها خلف القسطنطينية، لذا، يدعو مشروع قانون أمن شرق البحر المتوسط إلى تقييم ما يُشار إليه بمحاولات روسيا “لترويع البطريرك برثولماوس والتأثير عليه “.
وبغضّ النظر عن الطرف الذي سينجح في توسيع نطاق تحالفاته الحالية والتأثير على تحالفات جديدة أو تكوينها، مع الحفاظ على كبح جماح المنافس فهو أمر غير واضح حتى الآن، مع استمرار المناورات في الوقت ذاته.
نور سماحة، باحثة ومحللة وصحفية مستقلة تعيش بين بيروت ولندن، وقد عملت كمراسلة بالشرق الأوسط لأكثر من 10 سنوات، كما أنها زميل سابق في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية