دول البريكس، عالم الـ”85″ ومستقبل الشرق الأوسط

أفشين مولافي

عندما أطلق الاقتصادي البريطاني جيم أونيل في العام 2001 لقب دول البريكس” على الدول صاحبة الاقتصاديات ذات الأسواق الناشئة الكبيرة والأسرع نموًا وهي البرازيل وروسيا والهند والصين، كان من الممكن أن يتوهم قلة من الأشخاص أن الاختصار الذي ابتكره المصرفي الذي يعمل في مؤسسة “جولدمان ساكس” قد يكون اليوم رمزًا قويًا للتعددية القطبية المتنامية في عالم كانت تهيمن عليه القوى الغربية في وقت سابق. غير أن ما حدث بالفعل هو أن المجموعة أضافت إليها بعد عقد من الزمن دولة جنوب أفريقيا ومن ثم تكون ما يعرف بدول “البريكس”.
وأضاف التجمع جنوب أفريقيا بعد عقد من الزمن ليصبح البريكس يمثل حوالى “40%” من سكان العالم، وتقريبًا ربع إجمالي الناتج المحلي العالمي، وحوالي “16%” من إجمالي الصادرات العالمية. وللتأكيد، فإن مسألة كون الصين ثقلاً اقتصاديًا هي تضخيمًا للأرقام، ومع ذلك يجب ألا تُقاس أهمية دول البريكس من خلال حجم اقتصادها أو قيمة صادراتها، ولا يجب أن يقتصر مفهوم البريكس، من وجهة نظري، على مصطلح البريكس وحده.

وبالفعل، إذا ما نظرنا إلى الدول التقليدية المسماة دول “الجنوب العالمي” والتي تمتد عبر قارة آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لوجدنا أنها تمثل “85%” من سكان العالم وأكثر من نصف الناتج الاقتصادي العالمي. وتمارس العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دورًا بارزًا في مستقبل عالم الـ”85″,” ولاسيما المملكة العربية السعودية باعتبارها المورد الرئيسي للنفط الخام في جميع أنحاء قارة آسيا، بالإضافة إلى الإمارات العربية المتحدة تلك الدولة القريبة والحيوية والتي تربط قارة آسيا بأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط الشاسعة عن طريق مراكز النقل الجوي والبحري الناجحة الخاصة بها، وهناك أيضًا دولة المغرب والتي تعد مركزًا تجاريًا وماليًا رئيسيًا في أفريقيا.

وللتعرف على مستقبل العالم الذي نحيا فيه، فمن الضروري فهم بعض الاتجاهات الهيكلية الراسخة التي تحرك هذا العالم، وأولها بالتأكيد هي الخصائص السكانية. إن العالم الغربي ليس أقلية فحسب بل أقلية إلى أقصى درجة. تسير الهند بخطى ثابتة نحو تجاوز عدد سكان الصين، بمعدل طفلين لكل ثانية، باعتبارها الدولة الأكثر في العالم من حيث تعداد السكان، وتجاوزت مؤخرًا الاقتصاد الفرنسي لتكون سادس أقوى اقتصاد في العالم، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان قارة أفريقيا مع حلول العام 2050، ليكون عدد سكان القارة حوالى “2,4” مليار نسمة، يسكن أكثر من مليار في المناطق الحضرية.
شهد عالم الـ”85″ ثلاث مراحل تحويلية على مدار العقدين الماضيين، وهما سرعة التوسع الحضري ووسائل التواصل غير المسبوقة وتنامي الطبقات الوسطى. وبدرجات متفاوتة، شهدت أيضًا دول من أمريكا اللاتينية مرورًا بأفريقيًا وصولاً إلى آسيًا إدارة أفضل للاقتصاد بأكمله وإنشاء بنية تحتية متطورة.
وللتأكيد، هناك تحديات تعج بها الدول النامية في عالم الـ”85%” ويكفى فقط أن ننظر إلى المشاهد المرعبة لهجرة الأفارقة إلى أوروبا لنتعرف على فشل الحكومات الأفريقية في توفير الرفاهية لشعوبها، أو مجرد نظرة على معدلات الأمية والفقر في الهند وباكستان لنرى الفشل المضاعف الذي يعكر صفو الحياة في الجزء الجنوبي من قارة آسيا.

غير أنه وعلى الرغم من هذه الاخفاقات، ظهرت صورة أخرى موازية (وأحيانًا متشابكة) من النمو المتصاعد والفرص التي تحفز توقعات أعلى وثقة جديدة في جميع أنحاء العالم الناشئ. وتمثل الشركات في عالم الــ”85″ تحديًا عالميًا للشركات متعددة الجنسيات الغربية، بدءًا من الخطوط الجوية الإماراتية والاتحاد للطيران اللتان تعملان في مجال الطيران التجاري، مرورًا بشركتي “تاتا ستيل” البريطانية وسابك (الشركة السعودية للصناعات الأساسية) اللتان تعملان في مجال الصناعة، وصولاً إلى شركتي “هواوي” و”تنسنت” الصينية واللتان تعملان في مجال الهواتف الذكية والتكنولوجيا.

لم يعد الغرب محكماً لسيطرته على النظام التجاري الذي يهيمن عليه، ومع ذلك ينبغي توخي الحذر. فأمريكا، ورغم قصورها السياسي الراهن، تظل مركز الديناميكية الاقتصادية الأكثر قوة وإبداعًا في العالم. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن الولايات المتحدة الأمريكية تستفيد من سرعة التوسع الحضري ووسائل التواصل المتزايدة وتنامي الطبقات الوسطى في أنحاء العالم الناشئ. ورغم كل ما قيل، كان لهؤلاء المليارات من المستهلكين الفضل في زيادة صافي أرباح الشركات الأمريكية والقيمة السوقية لشركات التكنولوجيا إلى أقصى درجة.
ولهذا لم تكن تهديدات دونالد ترامب – وأفعاله – بتقويض نظام التجارة العالمي أمرًا مفزعًا لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل أيضًا معظم الشركات الأمريكية. ربما أن الرئيس ترامب قد أزعج زعماء العالم، غير أنه أهدى فرصة لدول البريكس ليكونوا أكثر ترابطًا. ويتعين على دول البريكس أن تعتبر نفسها جزءًا من عالم الـ”85″، ويجب على دول الشرق الأوسط أن تنظر بعين الاعتبار إلى نموها مستقبلاً في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وذلك امتدادًا من بحر العرب مرورًا بالمحيط الهندي ووصولاً إلى المحيط الهادي.
ولقد تعرفنا على هذا النظام الجديد من خلال زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى دولة الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي في مستهل جولته الأخيرة إلى أفريقيا، حيث عكست زيارة الرئيس الصيني النمو الديناميكي في العلاقات بين البلدين اللذين يتحدثان نفس اللغة وهي لغة وسائل النقل والتجارة. ورغم ذلك، فإن العلاقة بين البلدين أكثر من مجرد أضواء ساطعة وحفلات استقبال مبهرجة، إنها علاقة تجارية قيمتها “55” مليار دولار أمريكي – أي أكثر من ضعف حجم العلاقة التجارية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وأمريكا – وعلاقة استراتيجية متزايدة تشمل الاستثمارات المنسقة في مجال الطاقة والبنية التحتية داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وعبر طريق الحرير الجديد الممتد من أفريقيا إلى آسيا وصولاً إلى الشرق الأوسط.
بدت دبي وكأنها “هونج كونج الغرب” بالنسبة للصين، وهي مركز رئيسي لإعادة تصدير البضائع الصينية في أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، مما يعزز وسائل النقل البحرية والجوية الاستثنائية إلى العالم عبر موانئها ومطاراتها. ويوجد في دولة الإمارات العربية المتحدة حوالي “4,000” شركة صينية وتتركز بشكل أساسي في إمارة دبي، وحوالي 200,000″ مواطن صيني.
تشهد العلاقة التجارية بين دبي والصين نموًا سريعاً على مدار العقد الماضي، غير أن تلك العلاقة واسعة النطاق بين البلدين قد اتخذت عمقًا استراتيجيا بعد زيارة ولى عهد أبو ظبي سمو الشيخ محمد بن زايد إلى بكين في ديسمبر 2015. والحقيقة أن اختيار الرئيس الصيني “شي” دولة الإمارات العربية المتحدة لتكون أول زياراته الخارجية خلال فترته الرئاسية الثانية يعكس الطبيعة الاستراتيجية الهامة في العلاقة بين البلدين بعد زيارة الشيخ محمد – وتعكس أيضًا صورة النظام التجاري الذي كان يومًا تحت هيمنة الغرب وهو يواجه تحديات وتحالفات جديدة ومنافسين جدد.

AFP PHOTO/Yasuyoshi CHIBA