التنافر المعرفي في قلب المجتمع الإسرائيلي

جوزيف دانا

Image courtesy of Menahem Kahana / AFP

تبنى كل دولة من دول العالم على أسطورة من الأساطير، وتعمل تلك القصص أو التواريخ المشتركة على بناء المجتمعات وربط أجزائها بعضها ببعض، وأسطورة تأسيس إسرائيل فريدة من نوعها بين الدول المعاصرة، حيث إنها تقدم شكلاً من التنافر المعرفي الذي يمكّن المجتمع من الاستمرار في واحد من أكثر الاحتلالات العسكرية المطولة في التاريخ الحديث مع الظهور بمظهر الضحية. ويمنحنا الاحتفال الأخير بيوم ذكرى المحرقة نظرة واضحة المعالم لهذا التنافر المعرفي والأساطير التأسيسية للمجتمع الإسرائيلي.

ويعتقد ما يقرب من نصف الإسرائيليين أن محرقة أخرى قادمة، وذلك وفقًا لاستطلاع الرأي الأخير الذي أجرته صحيفة “جيروزاليم بوست”، حيث وجد الاستطلاع أن الشباب الإسرائيليين واليهود المتمسكين بأهداب الدين، كانوا قلقين بشكل خاص من وقوع محرقة أخرى بينما كانت الأجيال الأكبر سنا أقل قلقًا منهم، وأشار الكثيرون إلى أن تصريحات إيران المستمرة حول تدمير إسرائيل كانت دافعًا للقلق بشأن محرقة أخرى.

ويخبرنا المسح الكثير وعلى عدة مستويات، على سبيل المثال، فإن مزاعم إيران بشأن إسرائيل، رغم كونها بغيضة، لكن تلك المزاعم تركز على إسرائيل ولا تقول شيئًا عن الشعب اليهودي في جميع أنحاء العالم، بينما تُعرِّف إسرائيل نفسها على أنها دولة يهودية، فإن ملايين اليهود الذين يعيشون في جميع أنحاء العالم ليس لديهم أي صلة بإسرائيل ولا هم مواطنون إسرائيليون. والانتقادات والدعوات إلى العنف ضد إسرائيل، مهما كانت قاسية ومتطرفة، لا تشابه هدف هتلر المعلن لإبادة الشعب اليهودي أينما كان، ويبدو أن الإسرائيليين غير قادرين أو غير راغبين في فصل أنفسهم ودولتهم القومية عن بقية يهود العالم.

وربما يكون الأمر الأكثر وضوحاً حول مخاوف الإسرائيليين بشأن محرقة أخرى هي العلاقات السياسية لإسرائيل مع السياسيين المعادون للسامية في جميع أنحاء العالم، فقد أقامت إسرائيل علاقات وثيقة مع سياسيين معادون للسامية علنًا في جميع أنحاء العالم، من فيكتور أوربان المجري إلى العناصر المتحالفة مع دونالد ترامب. وفي ظل إدارة ترامب، ارتفعت معاداة السامية في جميع أنحاء الولايات المتحدة والعالم إلى درجة كبيرة، حتى أن دونالد ترامب، الذي يعتقد الإسرائيليون أنه صديق عظيم لبلدهم، أشار إلى المتظاهرين الذين حضروا تجمعًا للنازيين الجدد في “شارلوتسفيل” بولاية فيرجينيا بأنهم “أناس طيبون للغاية”. وإذا كان الإسرائيليون قلقون للغاية بشأن محرقة أخرى، فلماذا لا يعبرون عن المزيد من الغضب واتخاذ إجراءات أكثر قسوة في دعم المجتمعات اليهودية من بودابست إلى بيتسبرغ؟ وكحد أدنى، يمكن للحكومة الإسرائيلية إنهاء علاقاتها الحميمة مع السياسيين المعادين للسامية في جميع أنحاء العالم أو يجب أن يكون هناك بعض الأدلة على الضغط الشعبي لعكس مسار تلك التحالفات.

ويعكس هذا الوضع الغريب التنافر المعرفي في قلب المجتمع الإسرائيلي، وأعني بالتنافر المعرفي عدم القدرة على أخذ فهمين متضارب لمكانة إسرائيل في العالم وسلوكها تجاه الآخرين، حيث يعتقد الإسرائيليون أنهم الضحية وهم على حافة الدمار بينما لديهم جيش مثير للإعجاب وقوي ويقومون باحتلال شعب آخر. لقد فهم الإسرائيليون دائمًا أن بلادهم في حالة خطيرة وعلى وشك الدمار، وينبع هذا الخوف من قتل يهود أوروبا في الهولوكوست، والحروب التأسيسية المحفوفة بالمخاطر في البلاد، والتاريخ الطويل لمعاداة السامية في التاريخ اليهودي، وتلك هي أحد الأسباب التي تجعل إسرائيل تحافظ على التجنيد الإجباري لشبابها وشاباتها، فضلاً عن مركزية الجيش كمؤسسة في المجتمع الإسرائيلي، فكيف يمكن للجيش أن يهيمن على المجتمع من دون عنصر الخوف؟

لقد ولدت إسرائيل بالفعل في عالم خطير، لكنها نمت وتطورت بفضل حال انعدام الآمن، وتفتخر بواحد من أقوى الجيوش في تاريخ البشرية، وتمتلك إسرائيل ترسانة أسلحة نووية من دون أن تثبت أو تنفي وجودها، وحتى أنها تمضي قدماً في اتفاقيات التطبيع مع العديد من الدول العربية في الشرق الأوسط دون الحاجة إلى تقديم أي تنازلات للفلسطينيين، وهذا لا يعني أن إسرائيل ليس لديها مخاوف جيوسياسية كبيرة، لكن الفكرة القائلة بأن محرقة ثانية فورية لا تتوافق مع الحقائق على الأرض.

وذلك هو الجانب الذي يظهر فيه التنافر المعرفي بالكامل، حيث يعتقد الإسرائيليون أنهم يواجهون معاداة السامية بصورة غير مسبوقة بينما تتقرب حكومتهم من معادي السامية، ويعتقدون أنهم يواجهون الدمار على الرغم من امتلاكهم لواحد من أقوى الجيوش على الإطلاق. وهذا يعكس صورة المجتمع الذي أقنع نفسه بأنه الضحية لدرجة أنه لا يستطيع أن يرى متى يكون هو المعتدي، وقد أشرت إلى استمرار الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية، وهو المظهر النهائي لعقدة الخوف التي تميز المجتمع الإسرائيلي من خلال تمكين شبابه من الحفاظ على الهيمنة على الفلسطينيين.

وهذه الفكرة موجودة، ولكنها مختلفة قليلاً في حملات العلاقات العامة الإسرائيلية التي تدار في جميع أنحاء العالم، فلا شك أن الشعب اليهودي عانى واحدة من أعظم المآسي في التاريخ خلال مرحلة الهولوكوست أو المحرقة. وإذا كانت الدولة اليهودية “التي عرفت نفسها بذلك المصطلح” على وشك الوقوع في براثن محرقة أخرى، فلن يتمكن المجتمع الدولي من التركيز على احتلال فلسطين، لقد استمر استخدام وإساءة استخدام الهولوكوست بهذه الطريقة منذ تأسيس البلاد.

إن الاحتفاظ بمعتقدات وروايات متنافسة ليس بالأمر غير المعتاد في الأساطير التأسيسية للدول القومية الحديثة، ومع ذلك، فإن النسخة الإسرائيلية تتفوق في تبرير عقلية الضحية لتسويغ الأعمال العدوانية ضد الفلسطينيين، وتتذكر إسرائيل كل عام أولئك الذين لقوا حتفهم في المحرقة، بدلاً من التركيز على الحد من معاناة الآخرين، وتستخدم الدولة هذا الحدث لتحفيز عقلية الضحية لتبرير عدوان جيشها وعلاقاتها مع معاداة السامية في جميع أنحاء العالم.

 

جوزيف دانا كاتب مقيم في جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، ومراسل من القدس ورام الله والقاهرة وإسطنبول وأبوظبي، وقد شغل سابقًا منصب رئيس تحرير “إميرج 85” ، وهو مشروع إعلامي مقره الإمارات العربية المتحدة يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة.