اللغة ودورها الحيوي ضمن الترسانة الإسرائيلية الموجهة ضد الشعب الفلسطيني

جوزيف دانا

عادة ما تكون التحولات في الدلالات والمعاني مجرد إشارات على التطور الطبيعي للغة، غير أن مثل هذه التحولات الدلالية في إسرائيل كثيراً ما تكون مقصودة وذات تداعيات سياسية تكرس مبدأ السيطرة القائم. فاللغة في الواقع يمكن أن تكون جزءاً من الترسانة القمعية للدولة، وهو الأمر الذي أدركته تل أبيب منذ زمن.

فبعدما تمكنت إسرائيل من السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة عقب حرب 1967، بدأ المجتمع الدولي بصورة تلقائية في الإشارة إلى المناطق الفلسطينية بمسمى “الأراضي المحتلة”. وحتى بين صفوف الإسرائيليين، على الأقل في بداية الأمر، كان يُنظر إلى الضفة الغربية وقطاع غزة على أنهما محتلتان. وباستثناء ثلة من المستوطنين المتدينين وحلفائهم السياسيين الذين لا يشيرون إلى الضفة الغربية إلاَّ بمسمى “يهودا والسامرة” الوارد في التوراة، كان المجتمع الإسرائيلي يدرك أن العلاقة التي تربطه بهاتين المنطقتين هي عبارة عن احتلال عسكري مؤقت.

لكن مع قيام إسرائيل بإحكام قبضتها العسكرية والمدنية والاجتماعية على الأراضي الفلسطينية، أخذ مصطلح “الاحتلال” في الاختفاء تدريجياً من الخطاب الإسرائيلي، حتى باتت تعرف الأراضي المحتلة بين صفوف الإسرائيليين اليوم بمسمى “الأراضي” وكفى. وبينما قد يرى البعض أن هذا التحول اللغوي غير ذي أهمية، فإن أثره يظهر في مختلف أوجه النظام السياسي الإسرائيلي، بل يصل إلى ما هو أبعد من ذلك.

في العام الماضي، طالب سفير الولايات المتحدة الأمريكية في إسرائيل، ديفيد فريدمان، من وزارة خارجية بلاده التوقف عن استخدام مصطلح “الاحتلال” عند الإشارة إلى سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية. موقف فريدمان، وهو الرجل الذي يدعم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية منذ زمن بعيد، ما كان إلا استجابةً لتلميحات من مسؤولين إسرائيليين في هذا الاتجاه. وإن كانت الخارجية الأمريكية قد رفضت طلب فريدمان في بادئ الأمر، فإنها وافقت في نهاية المطاف على مراجعة الحجج والتعليلات المتعلقة بإسقاط تسمية “الاحتلال”.

هذا ولطالما كانت إسرائيل على وعي بالدور الذي تلعبه اللغة في هذا الصراع. فحكومتها العسكرية مثلاً، التي تتحكم في حياة ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية، يطلق عليها مسمى “الإدارة المدنية”. وبطبيعة الحال، لا وجود لأي بعد “مدني” في إدارة عسكرية يقضي قضاتها العسكريون بالإدانة في ما يزيد عن 99% من القضايا المعروضة أمامهم، وتَحرم ملايين الأشخاص من أبسط حقوق التنقل والتوظيف، بل وحتى من حق الوصول إلى الإنترنت عالي الصبيب.

بل إن التعتيم الذي يحيط بالاحتلال العسكري الإسرائيلي يمتد إلى الحكم الذاتي الفلسطيني. فمنذ توقيع “اتفاقية أوسلو” في أوائل تسعينات القرن الماضي، صار الفلسطينيون في المناطق المحتلة خاضعين للحكم الإسمي للسلطة الفلسطينية، وأصبح رئيس “منظمة التحرير الفلسطينية” محمود عباس يدعى رئيس السلطة الفلسطينية. إن هذا مجرد خدعة لغوية خفية تعطي انطباعاً بأن الفلسطينيين يتوفرون على حكومة مستقلة. لكن هذا الأمر غير صحيح، بل إن عباس يطلب الإذن من السلطات العسكرية الإسرائيلية لمغادرة مقعده الإسمي في السلطة الفلسطينية في رام الله، لذا فإن مناداته بـ”رئيس” تعتبر بمثابة مغالطة.

إن مظهر المساواة بين الطرفين يسمح لإسرائيل بوضع الصراع في إطار أمني بحت. ويشير الخطاب السائد إلى أن الطرفين يسعيان لإحلال السلام، حتى تتمكن حكومتاهما من ممارسة مهامها بشكل آمن بجانب بعضهما البعض. لكن بما أنه في الواقع توجد حكومة واحدة تسيطر على المنطقة الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن بأكملها، فإن القضية لا تتعلق بالأمن بل بالحقوق. فالفلسطينيون خاضعون لحكومة عسكرية تحرمهم من حقوقهم، وهذا الحرمان هو جوهر الصراع. ومع قيام إسرائيل بضم المزيد من الأراضي واستمرار الولايات المتحدة في الاعتراف بهذه الأراضي ضمنياً وعلنياً، لا تزداد المشاكل إلا استفحالاً.

لهذا فإن الخطاب القائم على الحقوق يقلق السلطات الإسرائيلية. فنظراً لتاريخ سياسات المقاطعة الناجحة للأنظمة التي حرمت شعوبها من حقوقهم، مثل حكومة الأبارتايد في جنوب إفريقيا، تتخوف إسرائيل من أنه سيكون من الصعب التعامل مع التجاوب المتزايد مع الخطاب القائم على الحقوق في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

لهذا السبب يدفع السياسيون الإسرائيليون والشخصيات النافذة مثل السفير فريدمان في اتجاه تحول لغوي يمحي أي أثر لمصطلح “محتلة” من القاموس. وقد قامت الصحافة الغربية بتبني هذا الخطاب بشكل واسع في السنوات الأخيرة، فمن خلال مقارنة تغطية صحيفة “نيويورك تايمز” للصراع في سبعينات القرن الماضي مع تغطيتها حالياً، يمكن ملاحظة تحول كبير في استخدام المصطلحات التي تؤكد على قيام إسرائيل باحتلال الأراضي الفلسطينية. تحول تسببت فيه حملة شرسة خصص لها تمويل مهم من قبل إسرائيل وداعميها في الولايات المتحدة لتحوير الخطاب المتعلق بالصراع.

لنأخذ على سبيل المثال اعتقال المراهقة الفلسطينية عهد التميمي مؤخراً. فتاة تبلغ من العمر 16 سنة تنحدر من قرية بالضفة الغربية، تم تصويرها حين قامت بصفع جندي إسرائيلي كان يقف في منزل أسرتها خلال احتجاج على مصادرة الأراضي. ولم يكن بحوزة الجندي أي إذن أو سبب قانوني يبرر تواجده هناك. وقد عرف مقطع الفيديو انتشاراً واسعاً، ربما كان سبباً في اعتقال الجيش الإسرائيلي السريع للطفلة في جنح الليل بعد مرور بضعة أيام على الحادثة. وتواجه عهد حالياً اتهامات من بينها التحريض أمام محكمة عسكرية إسرائيلية.

وقد سارع داعمو إسرائيل إلى الهجوم، مدعين أن الجندي قد قام بضبط نفسه بشكل لا يصدق وبأن التميمي قامت بخرق القانون بصورة واضحة. وبذلك أصبحت بضع صفعات من مراهقة صغيرة (ستلاحظون من مقطع الفيديو بأنه يصعب اعتبارها لكمات) “اعتداء” على جندي مدجج بالأسلحة يرتدي دراعاً واقيا للجسد. من جهتها، وصفت صحيفة »نيويورك تايمز «الحادث بأنه موجة عنف أخرى قد “اندلعت” بين الإسرائيليين والفلسطينيين. لكن إذا كانت صفعات التميمي مثالاً على تصعيد جديد في أعمال العنف، فماذا يقال عن الانتفاضة؟ إن اعتقال التميمي يعطي بالتأكيد معنى جديداً “للتهم الملفقة”.

بعيداً عن الدلالات اللفظية، يعد الحادث في الواقع مثالاُ على الكيفية التي يرد بها جيش الاحتلال على المقاومة المدنية. فتحدي فتاة تبلغ من العمر 16 ربيعاً لجيش الاحتلال كان من أكثر الجوانب عمقاً في الموقف بأكمله، كما أن محاكمتها أمام محكمة عسكرية يبرز كيف يعمل الاحتلال العسكري. هذا وليس بمقدور الرئيس عباس القيام بأي شيء من أجل رعاياه نظراً لخضوع الأراضي لسيطرة الجيش الإسرائيلي.

وستستمر إسرائيل في محاولة إخفاء الطبيعة الفعلية لحكمها العسكري بأي وسيلة كانت، كما سيستمر الفلسطينيون على أرض الواقع في التنديد بحقوقهم المهدورة على يد الاحتلال. وبما أنه قد تم التخلي عن حل الدولتين من قبل جميع الأطراف، فإن المعركة المتعلقة باللغة والألفاظ والحقوق ستُحدد معالم المرحلة القادمة من الصراع.

يعمل جوزيف دانا بين جنوب أفريقيا والشرق الأوسط، وهو رئيس تحرير إيميرج 85، وهو مختبر يستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.

AFP PHOTO / ABBAS MOMANI