اليمين المتطرف يجد ما يصبو إليه في سياسة الهجرة الجديدة للاتحاد الأوروبي

فيصل اليافعي

AFP photo: Anne Chaon

على خلفية أحد حصون مالطة الذي صمد أمام محاولة الفتح الإسلامي له إبان القرن السادس عشر، وضع وزراء داخلية أربع دول في الاتحاد الأوروبي نظامًا جديدًا يوم الاثنين لتوزيع المهاجرين الناجين من البحر المتوسط. وستشهد الخطة التي وافقت عليها دول فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، ومالطا؛ والتي أُعلن عنها في قلعة “سانت أنجيلو” في مالطا، انتقال المهاجرين تلقائيًا إلى الدول الأُخرى في الاتحاد الأوروبي، حيث يُجرى بحث طلباتهم المقدمة لالتماس اللجوء. وفي الشهر المقبل، ستُعرض الخطة على جميع دول الاتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين، على أمل أن تنضم إليهم الدول الأخرى.

ذكر كل من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، أنهم أرادوا حلاً يسري على جميع دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لم تعد القضية مجرد كرة قدم سياسية. وأشار كونتي قائلاً”: “ينبغي ألا تظل الهجرة أحد مواضيع الدعاية المعادية لأوروبا”.

بيد أن تأثير هذه السياسة الجديدة هو ما يسعى “كونتي” إلى تجنبه على وجه التحديد. وسيتضح أن تلك الخطة بمثابة هدية لليمين المتطرف. وبدلاً من كبح القوة التحريضية للهجرة كإحدى القضايا السياسية، وتهدئة مخاوف المجتمعات الأوروبية جمعاء، تطرقت اتفاقية الهجرة إلى مشكلة الحدود، مما نتج عنه وقوع الشِقاق بين دول الاتحاد الأوروبي. وبضربة واحدة، سلمت إيطاليا وفرنسا لدول أوروبا الشرقية والجماعات اليمينية المتطرفة في أنحاء القارة الأوروبية سلاحًا يمكنهم استخدامه لتحقيق أغراضهم المحلية.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تحاول فيها بروكسل تمرير بعض القوانين المتعلقة بنقل اللاجئين. ففي عام 2015، اعترضت دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشدة على خطة لفرض حصص اللاجئين على جميع دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما ما يسمى مجموعة “فيشغراد”، التي تشمل جمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر وبولندا. وحاول الاتحاد الأوروبي فرض هذه الخطة، بغض النظر عما نجم عنها من مشاحنات مريرة استمرت لسنوات. وبحلول العام الماضي، أُسقِطت فكرة الحصص الإلزامية بهدوء.

رغم أن هذه الخطة الجديدة لم تذكر شيئًا عن الحصص الإلزامية، إلا أنه من الواضح أن واضعيها عازمون على تطبيق ذلك (تلقائيًا). بل إن ماكرون تحديدًا قد أشار إلى أن أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي ترفض هذه الخطة فستقع تحت طائلة (العقوبات الشديدة).

من شأن هذه الخطة أن تُثير غضب الكتلة الشرقية، التي ترى الهجرة باعتبارها قضية تمس هويتها وسيادتها. فالأمر أكثر وضوحًا بالنسبة لهم: فهم لا يرغبون في مهاجرين أفريقيين ولا شرق أوسطيين. حيث أن تلك الدول لا تؤمن بالقيم الليبرالية للدرجة التي تدعوهم إلى أن توفر ملاذاً لتلك الأعداد الغفيرة من المهاجرين.  وليس هذا فحسب، ولكن تشعر تلك الدول، وهي الدول الأفقر في الاتحاد الأوروبي، أنها مُضطرة إلى أن تدفع ثمن الليبرالية التي لا يؤمنون بها. وإذا لم تستقبل باريس وروما المهاجرين، فلماذا يجب على بودابست أو وارسو استقبالهم؟

وبشكل عام، يوجد خلاف بين دول أوروبا الغربية الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، والدول التي انضمت للاتحاد بعد زيادة عدد أعضائه عام 2004 بشأن بعض القضايا المهمة، والتي تتعلق عادة بدور الدين والهوية والاستيعاب الثقافي. كما يختلفون بشدة حول رؤيتهم للاتحاد الأوروبي. وبصفة عامة، لا ترغب دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تكون عضويتهم في الاتحاد سببًا في تغيير دولهم أو إعادة تشكيلها لتُشبه الصورة الهولندية أو السويدية. انضمت دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي لتُصبح أكثر ازدهارًا وأمانًا بعيدًا عن الهيمنة الروسية. تبدو سياسة الهجرة التي تجبر دول الاتحاد الأوروبي على قبول المهاجرين –وتحديدًا المهاجرين من الدول ذات الأغلبية المسلمة– مُشابهة إلى حد كبير بالمركز الرئيسي الذي يملي على ما حوله ما يجب عليهم فعله، ويحاول تغيير ثقافتهم. والأسوأ من ذلك، أن تلك الصفقة أعدها أقوى ثلاث دول في الاتحاد الأوروبي (فقد تراجعت أهمية المملكة المتحدة تدريجيًا بعد انسحابها من الاتحاد بأسابيع)، والغرض الرئيسي لتلك الدول الثلاث هو منع إيطاليا من الانجراف نحو اليمين المتطرف. ويبدو أن الاتحاد الأوروبي مستعد لفعل أي شيء، لدرجة التطاول على الدول الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعلى ما يعتبرونه ثقافتهم، للحيلولة دون التردي نحو مُنزلق اليمين المُتطرف.

وبعيداً عن تقليل آثار المشكلة، والتخلص منها باعتبارها كرة قدم سياسية، فإن سياسة الهجرة التي تفرض وجود المهاجرين على أي بلد من شأنها أن تؤدي إلى إطلاق صيحات الاستنفار المثالية بالنسبة لجميع الجماعات السياسية الشكوكية الأوروبية أو المُتحاملة على الإسلام. وبدلاً من حصر المشكلة في إيطاليا ومالطا واليونان، فقد صُدِرت إلى الاتحاد الأوروبي بأكمله.

جاء ذلك نتيجة الحركة الجماعية المفاجئة والمُنتشرة للأشخاص الذين ألهبتهم الحرب الأهلية السورية. في الواقع، تُعد تداعيات أزمة المهاجرين أمرًا بالغ الخطورة عبر الساحات السياسية في دول أوروبا والشرق الأوسط، الأمر الذي يتطلب استخدام مصطلحات سياسية خاصة به. في أوروبا، منحت قضية اللاجئين اليمين السياسي الوسيلة لإعادة تنظيم توافق الآراء على الصعيد المحلي وفقًا لما يناسبه. وفي بريطانيا، كانت القضية هي السمة البارزة لحملة انسحاب المملكة المُتحدة من الاتحاد الأوروبي، وقد تُستخدم لإعادة تشكيل التوجه الاقتصادي البريطاني. وفي فرنسا، استخدم ماكرون قضية اللاجئين كوسيلة للأخذ بزمام قضية الهجرة المنفصلة، وتوجيهها نحو المركز السياسي بعيدًا عن أحزاب اليمين المتطرف.

وفي المجر والنمسا، استُخدمت قضية اللاجئين للتوجه نحو رؤية قومية أكثر محافظة. وبالإضافة إلى مناهضة الاتحاد الأوروبي والمسلمين، هاجم الحزب الحاكم في المجر أيضا المجريين الذين لا يملكون أولادًا، ووصفهم بأنهم غير طبيعيين؛ ولم تكن المشاعر المُعادية للمهاجرين سوى مستصغر الشرر التي ستُزكي نار المُحافظين.

غيرت قضية المهاجرين مؤسسات الاتحاد الأوروبي نفسها. وعندما استحدثت أورسولا فون دير لاين” رئيس المفوضية الأوروبية الجديد منصبًا معنيًا بالهجرة والأمن وأطلقت عليه اسم (نائب الرئيس لحماية طريقة حياتنا الأوروبية)، ثم جاءت الرسالة بشكل أوضح عندما قالت مارين لوبان، رئيسة حزب اليمين المتطرف بفرنسا أن اسم المنصب ذاته كان “نصرًا أيديولوجيًا”.

لم يستفد أي تجمع سياسي من أزمة المهاجرين بقدر ما استفاد اليمين المتطرف. حيث قال كونتي في لقاء له مع الرئيس الفرنسي الأسبوع الماضي، إنه يتعين على أوروبا أن “تطوي تلك الصفحة” بغية تحويل الإدارة الطارئة للمهاجرين إلى تطبيق نظام مُحكم – والقبول الضمني بأن الهجرة غير المنظمة إلى أوروبا هي الوضع الطبيعي الجديد ولا سبيل إلى إيقافها، ولكن يُمكن إدارتها فقط. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإدارة الهجرة تعني مساعدة دول الجنوب على حساب دول الشرق، والضغط على أعضاء الاتحاد في دول الشرق لتغيير مجتمعاتهم.

ولكن هذا الترتيب لن يطوي صفحة الهجرة، بل سيُشجع اليمين المتطرف، ويبرهن على زعمهم بأن بروكسيل قد تحولت من كونها إحدى النُظُم الاستبدادية والمُتعالية إلى دولة شديدة التحرر. وبعيداً عن تناول قضية اللاجئين بمنأى عن اليمين المتطرف، فإن سياسة الهجرة الجديدة للاتحاد الأوروبي ستوفر ببساطة لليمين المتطرف الذريعة التي يمكنه استغلالها لسنوات قادمة.

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو كثيرًا ما يُعلق بشبكات الأخبار التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” ببعض المنافذ الإخبارية مثل صحيفة “الجارديان” وهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.