ضحايا فيروس كورونا “كوفيد-19” المنسيين

جوناثان جرونال

AFP Photo: Prakash Mathema

 إن إظهار التعاطف مع الأشخاص الأقل حظًا أمرًا يسيرًا إذا كانت الأمور في عالمنا تسري على ما يرام وفقا للوضع الطبيعي. ولكن اليوم، يعيش الملايين حول العالم أوقاتًا عصيبة، وباتت بعض الدول الثرية تعاني الأمرين بسبب جائحة فيروس كورونا “كوفيد-19″، وشهدت تلك الدول النسبة الأكبر من عدد الإصابات بالفيروس حول العالم، والتي بلغ عددها “4,5” مليون حالة، فضلاً عن “300,000” حالة وفاة حتى الآن. وبات مواطنو الدول المتقدمة في العامل الاول يعانون من إحدى المشاكل الحقيقية.

ولهذا السبب، تدرك منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) تمامًا أن جمع الأموال، ودعم مؤسسة Save Generation Covid “أنقذوا الأجيال من فيروس كورونا “كوفيد”، وهو أكبر مناشدة تطلقها المنظمة في تاريخها الممتد عبر ثلاثة وسبعين “73” عامًا، لن يكون بالأمر اليسير.

وجاءت المناشدة، والتي أطلقتها المنظمة الأسبوع الماضي، بعد التوقعات الصادمة بأن ستة ألاف طفل حول العالم قد يموتون كل يوم خلال الأشهر الستة القادمة – ليس بسبب فيروس كورونا، ولكن لأسباب يمكن الوقاية منها، كنتيجة مباشرة لتأثير الجائحة على الأنظمة الصحية في بعض البلدان الأشد فقرًا في العالم.

وتكللت جهود الأمم المتحدة، بالتعاون مع حكومات الدول والمؤسسات الخيرية مثل مؤسسة “بيل وميليندا غيتس” الخيرية، ومبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية في دبي، على مدار العقود القليلة الماضية بالنجاح من خلال مجموعة من التدخلات للحد من وفيات الأطفال في الدول الفقيرة حول العالم.

ومنذ عام 1990، فبينما كان يموت طفلاً من كل أحد عشر “11” طفلاً قبل بلوغ سن الخامسة، انخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة إلى أكثر من النصف. وهذا بالتأكيد إنجاز عظيم، ورغم ذلك، لا تزال جهودًا عظيمة يجب القيام بها. وفي عام 2018، توفي طفل واحد من كل ستة وعشرين “26” طفلاً قبل بلوغ سن الخامسة.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن العالم على أعتاب كارثة تلوح في الأفق وهي أن تأثير فيروس كورونا “كوفيد-19” على النظم الصحية الهشة يهدد بإلغاء عقود من التقدم في الحد من وفيات الأطفال والتي يمكن الوقاية منها.

وفي كل عام، لا يزال خمسة ملايين طفل دون سن الخامسة يموتون لأسباب يمكن تجنبها. وبجانب هذا العدد المروع، يمكننا الآن إضافة 2.5 مليون حالة وفاة أخرى للأطفال على مدار الـ 12 شهرًا القادمة، و56,700 حالة وفاة أخرى للنساء أثناء الولادة. ويستند هذا التنبؤ الواقعي إلى بحث نشرته مجلة لانسيت جلوبال هيلث الأسبوع الماضي من قبل باحثين في كلية جونز هوبكنز بلومبرج للصحة العامة في بالتيمور.

وكان الباحثون يحاولون تقييم إلى أي مدى صرف فيروس كورونا الانتباه عن مجموعة من التدخلات القياسية والحيوية، بدءًا من الوقاية من الملاريا والرعاية أثناء الحمل والولادة، وصولاً إلى التطعيمات وتوفير المضادات الحيوية لعلاج حالات مرضية مثل الإنتان الوليدي والزحار.

ووضع الباحثون نموذجًا لثلاثة سيناريوهات لمائة وثمانية عشر “118” دولة ذات الداخل المنخفض إلى المتوسط، ومنها أفغانستان ومصر والهند وإيران والعراق والأردن ولبنان وباكستان وفلسطين وسوريا واليمن. ووجد الباحثون أن التدخلات الطبية الأساسية لرعاية صحة الأم والطفل في تلك البلدان الـ 118 قد انخفضت بما يتراوح بين 9,8 و51,9 في المائة. وارتفعت نسبة سوء التغذية الحادة بمقدار 10 و50%.

وخلص الباحثون إلى أن السيناريو “الأقل حدة” سيؤدي إلى “253,500” حالة وفاة إضافية بين الأطفال، و”12,200″ حالة وفاة إضافية بين الأمهات على مدى ستة أشهر. ويبقى السيناريو الأسوأ وهو وفاة أكثر من “1,2” مليون طفل آخرين، و”56,700″ أم.

وعلى الرغم من استناد تلك التقديرات إلى “الافتراضات المؤقتة”، إلا أنها توضح أيضًا أنه “إذا تم تعطيل إجراءات الرعاية الصحية الروتينية، وتضائل فرص الحصول على الغذاء، نتيجة الصدمات التي لا يمكن تجنبها، أو انهيار النظام الصحي، أو الخيارات المتعمدة للتعامل مع الجائحة، فستكون نسبة الزيادة في وفيات الأطفال والأمهات مدمرة.”

إن إهمال الفئات الأكثر ضعفًا لا يقتصر فقط على مواطني دول العالم النامي، وذلك بسبب الضغط على أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية بسبب فيروس كورونا “كوفيد-19”. ووفقًا للبيانات الصادرة الأسبوع الماضي عن مكتب الإحصاء الوطني البريطاني، فإن الفيروس مسؤولاً فقط عن ثلث حالات الوفاة الإضافية والبالغ عددها “30,000” حالة في نزل الرعاية والمنازل الخاصة ودور الضيافة في إنجلترا وويلز على مدار خمسة أسابيع حتى 1 مايو.

وبعبارة أخرى، في المملكة المتحدة وحدها، حيث توفى أكثر من “33,000” شخصًا حتى الآن بسبب فيروس كورونا “كوفيد-19″، فلربما كان سيعيش عشرون ألف “20,000” شخصًا آخرين لفترة أطول إذا لم يؤثر الوباء على مستوى الرعاية الصحية المقدمة لهم.

وبغض النظر عن المعركة التي يخوضها العالم لمواجهة فيروس كورونا، تطالب منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” الحكومات والأفراد بالاستمرار في تقديم التبرعات لدعم جدول أعمال من ست نقاط لمساعدة الدول التي تعاني من ضغوط شديدة لبناء “أنظمة صحية مستدامة وقوية على الفور حتى تتمكن الدول الأشد فقراً من مكافحة الجائحة، مع تأمين تقديم الخدمات الصحية الأساسية”.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف: أنه بات من الضرورة بمكان الحفاظ على صحة الأطفال الضعفاء وتغذيتهم جيدًا وتزويدهم بالمياه والتدابير الصحية المناسبة والنظافة الصحية، وتمكينهم من الاستمرار في التعلم. ويجب دعم العائلات “لتغطية احتياجاتهم ورعاية أطفالهم” وحمايتهم من العنف والاستغلال وسوء المعاملة. والفئة الأكثر عرضة للخطر بشكل خاص هي الأطفال اللاجئون والمهاجرون والمتضررون من النزاع.

ومع إغلاق المدارس، بات على ما يقرب من 370 مليون طفل في 143 دولة، إذ يعتمدون عادة على الوجبات المدرسية، أن يبحثوا عن مصادر أخرى. وحتى 14 أبريل، قد يفقد أكثر من 117 مليون طفل في 37 دولة تطعيمهم ضد الحصبة لأن الجائحة أوقفت حملات التحصين.

وهذان مجرد مثالين للاضطرابات التي سببها فيروس كورونا “كوفيد-19”. وبينما يعاني مواطنو العالم المتقدم من اضطراب ورعب من “وضعهم الجديد”، فإنهم يواجهون أيضًا اختبارًا إضافيًا – هو مدى تعاطفهم وإنسانيتهم.

وكما قالت “هنريتا فور”، المدير التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “لليونيسف”، في الوقت الذي نركز فيه جميعنا للحفاظ على أنفسنا وأحبائنا”، يجب علينا أيضًا أن نتذكر ملايين الأطفال المعرضين لخطر النسيان بسبب هذه الجائحة. ونتحمل اليوم مسؤولية حياتهم غدًا ومستقبلهم في نهاية المطاف.”

 

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.