الاقتصاد العالمي، الشرق الأوسط وأصداء 2009

أفشين مولافي

AFP Photo: Olivier Douliery

 في أكتوبر من كل عام، يجتمع كبار المسؤولين الماليين في العالم، والمصرفيين العالميين لحضور الاجتماعات السنوية للبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. وبالتجول داخل قاعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، وحضور الجلسات العامة، والجلسات المختلطة، والندوات الأصغر، يمكن للمرء استشعار الانطباع السيئ لدى القادة صانعو القرار عن الاقتصاد العالمي. وفي هذه السنة، كان هذا الانطباع فاترًا. وكما أخبرني أحد كبار المسؤولين لدى وزارة المالية في إحدى البلدان الأوروبية على هامش الاجتماعات،يبدو أننا نملك فرصة للنمو، لكننا نوظف سياستنا لتحقيق أهدافًا خاصة بنا، ونبقى محلنا سرًا، بدلاً من المضي قدمًا.”

ويشهد الاقتصاد العالمي في تلك الأيام أجواء محمومة بعض الشيء، لكننا أيضًا لسنا بصدد ركودٍ تضخمي. إن القلق الذي يساور مسؤولي صندوق النقد الدولي هو أن يمر الاقتصاد بالتباطؤ المتزامن“. وكان صندوق النقد الدولي قد خفض توقعاته للنمو العالمي لعام 2019 إلى 3 في المائة، وهي أسوأ نظرة للأداء منذ عقد. ولكي لا ننسى، كان العالم، منذ عقد مضى، يترنح بسبب الأزمة المالية العالميةوكان العالم العربي على وشك مواجهة انتفاضة غير مسبوقة في العديد من البلدان الرئيسية.

ومع ذلك، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فلسنا بصدد ركودٍ دائم بعد. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو العالمي “3,4%” في عام 2020، وهي نسبة عادية، لكنها تأخذ الاقتصاد العالمي بعيدًا عن الكارثة. ويبدو أن الاقتصاد العالمي، كما قال المسؤول الأوروبي، كان محله سر، ويمضي قدماً على فترات، ولكنه يتوقف في النهاية بسبب التيارات المناوئة

وأشارت كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، جيتا جوبيناث، إلىزيادة العوائق التجارية، وزيادة التوترات الجيوسياسيةباعتبارها تيارات رئيسية تقود عملةالتباطؤ المتزامن“. وبشيء أكثر من التحديد، يُقدر صندوق النقد الدولي أن التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين ستخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 0.8 في المائة بحلول عام 2020، أي ما يعادل شطب الناتج الاقتصادي لسويسرا أو المملكة العربية السعودية من الاقتصاد العالمي. وأشارتجوبيناثأيضًا إلى أنالنمو مثقل أيضًا بالعوامل الخاصة بكل بلد والموجودة في العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة، والقوى الهيكلية مثل انخفاض النمو الإنتاجي، والتركيبة السكانية في الاقتصادات المتقدمة“.

وكل هذا يبدو معقولاً، لكن بالنسبة للغالبية العظمى من الناس في جميع أنحاء العالم، فإن قياس مؤشر الاقتصاد العالمي هو مجرد عملية تجريدية. فالشعوب لا تريد سوى تحسن اقتصادها، وعبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن الصورة لا تبدو جيدة. وفي الواقع، تبدو الصورة الاقتصادية مشابهة بشكل ملحوظ لعام 2009 – حيث معدلات البطالة مرتفعة بين الشباب، ونقص العمالة، والاقتصادات التي يعصف بها تباطؤ المستوى الاقتصادي العالمي بأكمله.

وقبل اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، واجهت خمس دول كبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا احتجاجات قوية خلال الأشهر القليلة الماضية. ومن الجزائر إلى السودان، وصولاً إلى العراق، ولبنان ومصر، اندلعت الاحتجاجات في تلك البلدان بسبب موضوع مشترك، وهو: الإحباط الذي أصاب شعوب تلك الدول بسبب فساد النخبة الحاكمة، وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن البطالة، والعمالة غير المستقرة. أضف إلى ذلك، المخاطر الناجمة عن عدم المساواة في توزيع الثروات والدخل، وارتفاع معدلات اختراق الهواتف الذكية، والاتصال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تسمح لعدد أكبر من الناس برؤية ما دون جدران القصر، وحيازة مواد قابلة للاشتعال.

ويشعر الشباب العربي، والذي تتراوح أعماره بين 18 و 24 سنة، بالقلق الشديد بشأن الوظائف. وفي الواقع، يضع تسعة من كل عشرة الشباب مسألة البطالة على رأس قائمة اهتماماتهم، وذلك وفقًا لأحدث النتائج التي توصل إليها استطلاع الشباب العربي السنوي، وهو الاستطلاع الذي يأسر اهتمام الشباب في جميع أنحاء المنطقة.

واقترب معدل البطالة بين الشباب في جميع أنحاء المنطقة من 30 في المائة عشية الثروات العربية في العام 2010-2011. واليوم، يزيد معدل البطالة هذا عن 30 في المائة. وعلى الرغم كمية الأوراق السياسية المنشورة، والندوات التي تدور حول أهمية إيجاد وظائف للشباب، فإننا مازلنا من حيث بدأنا منذ عقد مضى.

وكل هذا يأخذنا مرة أخرى إلى الاقتصاد العالمي. وبالنسبة للعالم العربي والأسواق الناشئة الأخرى، فإن مصير اقتصادات مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدةالقوى العالمية الكبرىذي أهمية قصوى، لأن دول العالم العربي والأسواق الناشئة تستوعب الكثير من الطلب، وغالبًا ما تستفيد شركات التصدير الخاصة بها من سلاسل التوريد العالمية. وتشكل الشركات التونسية جزءًا رئيسيًا من سلسلة التوريد الخاصة بشركة إيرباص، وتستفيد شركات صناعة السيارات المغربية من الاستثمارات والمشترين الأوروبيين، وذلك مجرد مثالين من دول شمال إفريقيا. أما بالنسبة لمصدري النفط في الشرق الأوسط، فإن التباطؤ الحاد في آسيا سيصل إلى أدنى مستوياته بسبب تباطؤ الطلب على النفط والغاز.

وعندما يتباطأ الاقتصاد العالمي، فإنه يشق طريقه نحو الأسواق الناشئة والعالم العربي الشاسع. لذلك، قد يبدوالتباطؤ المتزامنمثل المصطلحات التي يستخدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولكن له آثاره في العالم الحقيقي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والتي تحتاج بشدة إلى توفير المزيد من فرص العمل للشباب والسكان المتململين. إن دوافع نوبات الاحتجاج الأخيرة والتي اندلعت في القاهرة ثم بيروت وبغداد كانت المخاوف المحلية، لكنها مرتبطة بشكل متزايد بتباطؤ الاقتصاد العالمي.

أفشين مولافي، أحد كبار الباحثين في معهد السياسة الخارجية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعةجونز هوبكنز، ومؤسس جريدةذا نيو سيلك رود مونيترومحرر بها.