حان الوقت لسيطرة دول الخليج على سوق التحويلات كبديل عن الفيسبوك

جوزيف دانا

AFP photo: Justin Sullivan

اجتاحفيسبوك عالم المال وذلك عبر عملته المالية المقترحة وهي (ليبره) غير أن المشرعين كانت لهم تحفظاتهم على العملة المقترحة هذا بخلاف قيام بعضهم بالتهديد بحظر تلك العملة الرقمية قبل أن تجد طريقها الى الوجود. وكنتيجة لتلك المبالغة وهذا الكم الهائل من المعلومات المغلوطة حول كينونة تلك العملة الرقمية وما تعنيه بالضبط وكذلك مدي وملاءمتها لاستراتيجية التعامل عبر فيس بوك على المدي البعيد فقد تركزت الأخبار حول ذاك السوق النامي لتبعث فيه الاضطراب. وواجه السوق العالمي للتحويلات النقدية العديد من المشكلات خلال القرن المنصرم إلا أن إدارة الفيسبوك قد تطرقت إلى ميزة لم تكن مستغلة، وهنا يمكن أن نسأل هل يمكن لشركة تعمل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أن تسهم في تحسين حال الفقراء حول العالم؟ كما يفعل مئات الآلاف من الأجانب الذين يعملون بدول الخليج العربي ويرسلون الأموال لذويهم كل شهر، وهنا يكمن التساؤل.

لقد بلغ السوق العالمي للتحويلات النقدية ذروته في عام 2018. فقد قدَر البنك الدولي أن التحويلات النقدية قد تدفقت لصالح الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل بواقع 529 مليار دولار أمريكي في عام 2018 وذلك بزيادة قدرت ب 9.6 بالمائة عن الرقم المسجل في العام السابق 2017 والذي بلغ 483 مليار دولار أمريكي. وجملة تلك التحويلات الملية تخضع بدورها لرسوم باهظة وتتم من خلال تكنولوجيا قديمة.

وبالتزامن مع الاتساع الهائل في سوق الهواتف الذكية الرخيصة وكذلك انتشار الإنترنت في دول العالم النامي فقد دخلت طبقة جديدة تماما من العملاء (ولنسمها طبقة الفقراء المنفتحين) إلى سوق المال. ويظهر هذا جليا في دول إفريقيا حيث تمكن الفقراء في القارة من استخدام تطبيقات مثل واتساب وكذلك استخدام خدمات الدفع الرقمي والتي غيرت من مفهوم الاتصال والتسوق ومكنت الأفراد من المحافظة على أموالهم بينما يخططون لمستقبل أفضل.

وانعكس هذا التطور على عمليات التحويلات المالية؛ وعي سبيل المثال في جنوب أفريقيا انتشر استخدام التحويلات الرقمية بالنسبة للمهاجرين الزيمبابويين، وفي وقت ما كان إرسال الأموال لذويهم يخضع لرسوم بلغت 18% من قيمة الأموال وذلك إلى جانب كون النقد بحد ذاته لا يعتبر بمثابة طريق آمن لتخزين الأموال. ومع توافر الخيارات الرقمية، فقد اصبحت الرسوم المفروضة تقدر بحوالي 5 % إلى جانب كون الأموال لم يعد من السهل سرقتها.

وتعد الثقة أهم العوامل في تجارة التحويلات النقدية وذلك لأن الأفراد يحرصون على التأكد من أن أموالهم سوف تصل وجهتها آمنه. وعلى الرغم من الخلاف الدائر حول تحكمه ببيانات المستخدم إلا أن فيسبوك يحظى بثقة واسعة من أوساط الأسواق النامية. فمن خلال تطبيقات الاتصال مثل واتساب (والذي استحوذت عليه فيسبوك في 2014) أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزئا أساسيا في حياتنا، لذلك فإن كنا نثق بواتساب وإنستغرام (وهو تطبيق آخر مملوك لفيسبوك ويستخدمه أكثر من مليون إنسان حول العالم) فلم لا نثق ب ليبرا؟

ربما وجد فيسبوك أنه قد آن أوان إحداث ثورة في سوق المال وذلك عبر تداول الليبرا والذي من شأنه أن يجعل كل شيء أسهل من ذي قبل. لقد أبدي المشرعون حول العالم تخوفهم من استحواذ فيسبوك على إحدى أهم العملات في العالم. وكذلك فان هناك مشكلة الحسابات البنكية في كثير من الأسواق الرئيسية، فوفقا للبحث الذي أجري بمعرفة فيسبوك، اتضح أن ما يزيد عن نصف عدد البالغين في دول مثل الصين والهند وإندونيسيا والمكسيك ونيجيريا وباكستان لا يمتلكون حسابات بنكية وإدماج هؤلاء الأشخاص في الخدمات المالية الرسمية سيصير بمثابة تحد كبير.

وتصدت خدمات الدفع الإلكتروني في إفريقيا لمشكلة الحسابات البنكية عبر اعتمادها على وكلاء في هذا المجال يتلقون الأموال النقدية من الأفراد ليقوموا هم بتحويلها، غير أنه من غير المرجح أن يعتمد فيسبوك على تلك الطريقة فيشكل فريقا دوليا من الوكلاء ليقوموا بمساعدة الأشخاص في توجيه أموالهم.

وبعد ذلك تظهر مشكلة العملات المشفرة، فبينما يعتبر فيسبوك الليبرا عملة مشفرة (فهي قائمة على سلسلة من قواعد البيانات المشفرة على أية حال) إلا أنه لا يمكن القول بأنها بيتكوين أخري قادمة للعالم. فهي وإن كانت تعتمد على نظام الأكواد مفتوحة المصدر إلا أنها ليست سلسلة من قواعد البيانات المشفرة التي لا تتطلب تصريحا مثل بيتكوين، فالأمر بالنسبة لها ليس كذلك حيث ستدار بواسطة مجموعة من الشركات العملاقة كشركة أوبر و سبوتيفاي وذلك من خلال مقر رئيسي يوجد في سويسرا. ويبدو جليا أن فيسبوك تتطلع لاستغلال ذاك الضجيج الذي أحدثته العملات المشفرة إلا أن ذلك يمكن أن ينتهي به المطاف وقد قضي على التطلعات المستقبلية لليبرا في الأسواق الرئيسية، وذلك لان العملات المشفرة في الهند وباكستان والصين وبنجلاديش تعد إما غير قانونية أو في طريقها للحظر.

وبغض النظر عن نجاح الليبرا من عدمه، فإن فيس بوك قد تمكن من كشف النقاب عن إمكانية غير مستغلة فيما يخص سوق التحويلات المالية، فشركة التواصل الاجتماعي تستثمر الثقة الموضوعة بها وانتشارها الواسع في العالم في جلب المستخدمين وتشكيل اتجاهاتهم.

غير أن فيسبوك لا يعتبر اللاعب الوحيد في ذلك السوق الجديد، فدولة الامارات العربية المتحدة لها باع طويل في سوق التحويلات المالية وذلك في ظل اعتمادها على العمالة الأجنبية حيث تعد موطنا لحوالي 200 جنسية حول العالم، وقد نجحت الدولة في امتلاك قطاع راسخا وموثوقا في سوق تداول العملة. وكعاصمة للمهاجرين حول العالم، حيث تبحث الطبقة المتوسطة حول العالم عن فرص السفر والتجارة، صارت دبي أكبر منافس في طريق سوق تداول العملة في العالم. فلم يعد الاستثمار والمجازفة في تحويلات الدول النامية قاصراً على رؤوس الأموال المحلية فقط ولكن الدولة نفسها يمكنها أن تفعِّل نفوذها والثقة التي تحظي بها لتدعيم سلعة معينة، وذلك مثلما حدث مع الليبرا.

وحريٌ بليبرا أن تكون بمثابة انذارا للشركات التكنولوجية ولحكومات الشرق الأوسط. فمن الممكن لدولة الامارات العربية المتحدة استغلال حقها في الابتكار التكنولوجي من خلال تقديم الدعم الحكومي لعملات مشفرة تستخدم خصيصا للتحويلات، وباتخاذها مثل تلك الخطوة، فستتمكن الامارات من الهيمنة على مجال من الأكثر المجالات ربحية والتي لا يلتف اليه في الاقتصاد العالمي.

يعيش جوزيف دانا بين جنوب إفريقيا والشرق الأوسط، وهو يشغل منصب رئيس التحرير بمؤسسة Emerge85، التي تعُد بمثابة مختبر لاكتشاف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثير ذلك على المستوى الدولي.