كلما كان سكان الدولة أصحاء، كانت الدولة سياسيًا أكثر استقرارًا

جوناثان جرونال

AFP photo: Mahmud Hams

لقد مضى تقريبًا عقدان من الزمن منذ أن وقعت دول العالم على الأهداف الإنمائية للألفية التابعة للأمم المتحدة. وانقضت أربع سنوات أخرى على استبدال هذا البرنامج بأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر،  والتي أقرت بموجبها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بأن توفير الرعاية الصحية الأولية والأساسية لسكان العالم لم يكن فقط حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، بل كان أيضًا مفتاح القضاء على الفوارق الطبقية بين سكان العالم.

إن الرسالة المحبطة ليوم الصحة العالمي والذي يوافق يوم الأحد السابع “7” من أبريل/نيسان، هي أن، نصف سكان العالم على الأقل – يعتقدون أن الحصول على الرعاية الصحية الشاملة – وهي شبكة الأمان الأساسية لجميع مواطني أي بلد – لا يزال حلماً بعيد المنال. بيد أن الأسوأ من ذلك هو ما تقوله الأمم المتحدة، وهو أن ثمة حوالى 100 مليون شخص لايزالوا محاصرين في دوامة الفقر بسبب تكاليف الرعاية الصحية الأساسية والتي يجب عليهم سدادها.

وهذا أمرٌ مهم، وليس فقط من منظور إنساني، إذ تقول الأمم المتحدة بأن توفير الرعاية الصحية الأولية هي الأساس لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة الأخرى، بدءًا من الحماية من الفقر والجوع وتوفير التعليم والمساواة بين الجنسين وصولاً إلى العمل والنمو الاقتصادي، وتقليل أوجه عدم المساواة، والعمل على تغيير المناخ. إن عدم الاستثمار في الرعاية الصحية الأساسية، وبمعنى اخر، في الاقتصاد زائف، ادى الى استمرار انفاق العديد من الجهات الحكومية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

ويقدم أطلس 2018 للتمويل الصحي والذي أطلقته منظمة الصحة العالمية مؤخرًا، صورة صارخة لوضع تمويل الصحة العامة في بلدان شرق المتوسط الأعضاء في منظمة الصحة العالمية. وتقول منظمة الصحة العالمية، “إن هذا التمويل غير كافٍ مقارنة بالاتجاهات العالمية”، كما أنه السبب المباشر في وجود نسبة كبيرة من الصعوبات المالية والإفقار الملحوظ”

ويقطن منطقة شرق المتوسط أكثر من 653 مليون نسمة، تعيش في 21 دولة عضوًا في منظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى الأرض الفلسطينية المحتلة، وهناك “فروق كبيرة” في الإنفاق على الصحة “بين البلدان وفي داخلها”. وتشير أحدث الأرقام إلى أنه في العام 2015، تجاوز إجمالي الإنفاق على القطاع الصحي في المنطقة بعض الشيء حاجز 145 مليار دولار. ويبدو هذا الرقم كبير، لكنه في الواقع وبشكل مؤسف يبقى رقم غير مناسب، لأنه يمثل “2%” فقط من الإنفاق الصحي العالمي – علمًا بأن هذا الرقم مخصص لـ “9%” من سكان العالم.

وبعبارة أخرى، يبلغ متوسط الإنفاق العالمي على الصحة “10%” من إجمالي الناتج المحلي. وفي منطقة شرق المتوسط، يكاد يصل الإنفاق إلى نصف هذا الرقم. ولهذا، من المتوقع أن يكون التباين بين الدول الغنية والفقيرة تباينًا صارخًا. وفي العام 2015، خصصت باكستان، والتي يقطنها “30%” من سكان المنطقة، للرعاية الصحية 38 دولارًا للفرد الواحد، بينما استثمرت قطر 2000 دولار أمريكي.

ومع ذلك، فإنه بين البلدان الأكثر فقراً، هناك تباين كبير في الاستثمار في مجال الصحة، إذا لم يمثل إنفاق باكستان في العام 2015 سوى “2,7%” من إجمالي ناتجها المحلي. بينما أنفقت أفغانستان، رغم أنها الدولة الأفقر في المنطقة، “10,3%” – وهي النسبة الأكبر بين جميع دول المنطقة، الغنية فيها والفقير. وتبلغ نسبة الإنفاق العام على الصحة في منطقة شرق المتوسط من إجمالي الإنفاق العام – وهو مقياس لـ “تحديد الأولويات الصحية” – “9%”، أي أقل بنقطة مئوية واحدة عن متوسط الإنفاق العالمي. وتقول منظمة الصحة العالمية أن السبب في هذا يعود في المقام الأول إلى “انخفاض الأولوية الممنوحة للقطاع الصحي”.

ومن الآثار المترتبة على نقص التمويل العام هو أن اضطرار شعوب المنطقة إلى بذل الكثير من أموالهم الخاصة – والتي تمثل “40%” من إجمالي النفقات الصحية في المنطقة في العام 2015، مقارنة بمتوسط الإنفاق العالمي والذي يبلغ “32%”. ومن شأن هذا أن يؤدي، كما تقول منظمة الصحة العالمية، إلى “حدوث تعثرات مالية”، والتي تؤثر وفقًا للتقديرات على ما يقدر بنحو 55.5 مليون شخص في جميع أنحاء المنطقة في العام 2015 ، بالإضافة إلى وصول “7,7” مليون نسمة إلى خط الفقر بسبب ارتفاع انفاق المدخرات الشخصية.

وهناك تداعيات أكبر ناتجة عن نقص تمويل الرعاية الصحية في البلدان الفقيرة. ولا يجب نسيان أن العديد من الاحتجاجات التي اندلعت عشية الربيع العربي كانت تستند إلى عدم المساواة في الرعاية الصحة. ووجدت الأبحاث المنشورة في العام 2016 أنه خلال الانتفاضات، “كانت البلدان الأكثر استقرارًا هي التي يتمتع شعوبها بصحة أفضل، بينما البلدان التي شهدت ثورات، هي البلدان التي يعاني شعوبها من ضعف الصحة.

وهو ما أوعز كتاب أحد الأبحاث في مجلة “New Trends” المتخصصة في العلوم الاجتماعية والليبرالية إلى تطوير نظرية “القمع المعكوس”، والتي تقول أن ارتفاع مستوى الرعاية الصحية لبلد ما يقابله كذلك زيادة في الاستقرار، الأمر الذي يؤدي بدوره توفير رعاية صحية أفضل.”

ولا تزال تداعيات الاضطراب الاجتماعي ماضية فينا في شكل أزمة اللاجئين والعبء الذي يقع على عاتق البلدان المجاورة، وفي صعود السياسات الشعبوية والتعصب في أوروبا وخارجها.

إن نتائج الإنصاف الاجتماعي أكثر وضوحًا، ولكنها بعيدة المدى بنفس القدر. ووفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الاستثمار في الصحة له تأثير ملموس على الوضع الاقتصادي العام للدول  وتقول المنظمة، إن الصحة لها أثر واضح على التنمية”، فالبلدان ذات الظروف الصحية والتعليمية الضعيفة تجد صعوبة في تحقيق نمو مستدام”.

والنمو هو المفتاح الذي تتحول به الأمة من عبء على جيرانها إلى شريكٍ تجاريٍ ذي قيمة. ومن الواضح بنفس القدر أنه من الممكن تجاوز دائرة الفقر التي يقبع فيها العديد من الدول إذا أخرجنا من معادلة الفقر أحد العوامل الأساسية المساهمة فيه وهي ضعف الصحة.

والرسالة الأساسية التي يرغب “يوم الصحة العالمي” في الإعلان عنها هي “أن الكثير من الفقر العالمي”، وكل ما ينتج عنه، يمكن تجنبه إذا كان ثمة استثمارات متواضعة في مجال الرعاية الصحية الأولية في البلدان النامية – وربما تمثل تلك الاستثمارات فيما بعد تحديًا للدول الأكثر صحة وثراءً في المنطقة.

وكانت دولتا الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قد أدتا ما عليهما عندما يتعلق الأمر بالمساعدات الطارئة، والتواصل مع المحتاجين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين، والمساهمة بموارد قيمة في حملات التطعيم – ومنذ عام 2014 ، قدمت الإمارات 347 مليون لقاح ضد شلل الأطفال إلى 57 مليون طفل في باكستان.

ولكن بدون القيام بشيء ما لتعزيز أنظمة الصحة العالية الأساسية في تلك البلدان، فإن حالات الطوارئ ستتجه نحو الاستمرار. بل إن الاستثمار المتواضع في أنظمة الرعاية الصحية الأولية يمكنه أن يغير كل ذلك – ويساعد جيلًا على التخلص من القيود التي فرضتها الظروف، وينمو ليصبح شريكًا ذا قيمة للمستقبل.