“خلافة” داعش تتجه نحو الغرب بهدوء، وتحاول أوروبا التصدي لها

فيصل اليافعي

AFP Photo: Olympia De Maismont

عندما ظهر الخليفة المزعوم لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، أبو بكر البغدادي، مجددًا وكان ذلك الأسبوع الماضي في أول رسالة فيديو له منذ خمس سنوات، ركز معظم المراقبين على محاولة البغدادي لحشد ما تبقى من جماعته التي تعرضت للهزيمة إلى حد كبير. هذا ولم يلتفت أحد إلى الإشارة العابرة تقريبًا بخصوص التعهدين بالولاء لمجموعة من الميليشيات الجهادية في دولتين من دول غرب إفريقيا وهما مالي وبوركينا فاسو. غير أن الهدف من الرسالة الثانية هو تعزيز الرسالة الأولى. وبعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في كلٍ من العراق وسوريا، يبحث التنظيم “داعش” عن مناطق أخرى لممارسة نشاطاته فيها، وتمثل منطقة الساحل المرشح الرئيسي لهذا الهدف.

إن وجود هذا التنظيم لم يمر مرور الكرام. ففي نفس الأسبوع الذي بث فيه البغدادي رسالته، قدمت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إلى هاتين الدولتين، وتعهدت بحوالي “40” مليون دولار أمريكي كمساعدة مالية، بالإضافة إلى حوالى “1,000” جندي ألماني متمركزين بالفعل في المنطقة، هذا إلى جانب آلاف الجنود من فرنسا ودول أوروبية أخرى، بيد أن الأوروبيين يضعون في اعتبارهم أجندتهم المحلية الخاصة بهم، ولهم أسبابهم التي تدفعهم لخوص حرب سرية في أرض بعيدة. وأوضح الوزير الاتحادي للتعاون الاقتصادي والتنمية الألماني، غيرد مولر، أنه “إذا لم نحل المشاكل في إفريقيا، فسيأتون إلينا”.

وتشهد منطقة الساحل، وهي منطقة شبه قاحلة تتخلل عشر “10” دول، وضعًا بالغ الصعوبة تقريبًا، حيث أدت الأزمات الغذائية المتكررة ونقص المياه إلى تفاقم الانقسامات العرقية، فضلاً عن تفشي الفقر والفساد. وهناك أربع “4” من الدول الأكثر تضررًا من العنف – وهي مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو – تقع ضمن الدول العشر “10” الأخيرة في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة.

وتبين أن هذه الأرض القاحلة أرضًا خصبة للجماعات الجهادية. ويدير تنظيم القاعدة أنشطته في المنطقة منذ سنوات عدة، وذلك بعد أن ضمن لنفسه موطئ قدم في صحراء شمال مالي بعد انهيار الدولة الليبية في عام 2011، وسرعان ما انضم إليه تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وشكلت المجموعتان العديد من المجموعات المسلحة، والتي تتقاتل عادة فيما بينها بشأن المسائل المحلية، ويشعرون بالسعادة لتعاونهم مع المجموعات المسلحة الأخرى عند الحاجة. كما أن حكومات الساحل ليست بمنأى أيضًا عن الاستعانة بالميليشيات المسلحة من حين لآخر، مما يعكر أكثر صفو العلاقات بين دول الساحل والقوات الاجنبية. وفي ظل تلك المشاكل المتأصلة في المنطقة، كان “الاستقرار” هو الهدف السياسي الرئيسي. فهناك في مالي حوالى “1,000” جندي ألماني، وهي أكبر وحدة أوروبية في قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، علمًا بأن القوام الأساسي لقوة حفظ السلام يتألف من الجنود الأفارقة والعرب. ويوجد الفرنسيون في المنطقة منذ عام 2014، وذلك عندما أطلقوا عملية “برخان” في تشاد لمكافحة الإرهاب. وتقدم كلٌ من فرنسا وألمانيا الدعم لقوات دول الساحل الخمس، وهو تحالف مكون من خمس دول تواجه تهديدات المتشددين الإسلاميين.

وتتخوف ألمانيا، كباقي دول أوروبا، من أن إتاحة الفرصة لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أو التنظيمات الأخرى المماثلة لإعادة توحيد صفوفها قد يؤدي إلى وقوع هجمات إرهابية على الشوارع الأوروبية، غير أن التخوف الأكبر يكمن في الحراك الجماعي للشعب. وهناك من دول الساحل العديد من اللاجئين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط. وتستضيف منطقة الساحل أيضًا الكثير من المهاجرين المحتمل قدومهم من مناطق بعيدة مثل السودان وإريتريا، وذلك لأن طرق التهريب إلى شمال إفريقيا ومنها إلى أوروبا تبدأ من الصحاري الشمالية لمالي والنيجر. وتأمل الحكومات الأوروبية في أن كبح جماح عمليات التمرد المختلفة، وتحقيق الاستقرار السياسي في المنطقة من شأنه أن يقلل من تدفق المهاجرين، لكن الأمر ليس بهذه السهولة.

وتسعى الدول الأوروبية وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بطريقة ما، إلى الانخراط في هذا الوضع الاجتماعي والسياسي المعقد بالفعل، وهذا ما يصعب مهام كلاً منهما.

ويحاول تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وكذلك تنظيم القاعدة، “تدويل” النزاعات رغم أنها محلية بطبيعتها. وتشير التقديرات إلى وجود المئات من الميليشيات المنفصلة في أنحاء مالي والنيجر وتشاد، وغالبًا ما تتألف تلك الميليشيات من مجموعة عرقية واحدة، ولديها مظالم محلية محضة، وليس من السهولة بمكان توحيد تلك الميليشيات جميعها على قضية مشتركة للدفاع عنها، وقد يكون الجاذبية التحفيزية “للخلافة” لها صدى قوي في العراق وسوريا، إذ أن الدولتين الموطن التاريخي الحقيقي للخلافة، غير أن دول الساحل لها تاريخها السياسي المتميز.

وقبل حرب العراق، وظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، بسطت دولتا سوريا والعراق سيطرتهما الكاملة على أراضيهم، والأمر عكس ذلك بالنسبة لأي دولة من دول الساحل، حيث توجد مقرات الحكومة في تلك الدول بالجنوب، أي ما يبعد “1,000” كيلومتر عن حدودها الشمالية غير واضحة المعالم. وإن تحقيق الاستقرار في هذه البلدان يعني تعزيز سيطرة الحكومة على المناطق التي ظلت خارج سيطرتها فترة طويلة. وعلاوة على ذلك، لم يلجأ الكثير إلى أحضان الجهاديين إلا بسبب تصرفات حكومات دول الساحل – كالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والانقسامات العرقية، كما أن الفشل في معالجة كل تلك التصرفات، يعني بشكل ما إعادة صياغة الطريقة التي تعمل بها تلك الدول.

وقد يكون هذا هو السبب وراء التزام الأوروبيين الصمت حيال مشاركتهم في منطقة الساحل، مفضلين العمل من خلال الحكومات الإقليمية والتحالفات مثل قوات دول الساحل الخمس. ولا تريد أوروبا أن تبدي انطباعًا بأنها تدعم الحكومات التي لا تحظى بشعبية، وبالأخص في حالة فرنسا، حتى تتبلور فكرة أن أوروبا بدأت بالاهتمام بالدول الأفريقية من جديد.

وكان الجزء الأكبر من الأموال التي تعهدت بها “ميركل” مخصصًا لمشاريع التنمية، وزيادة تكامل قوة مجموعة دول الساحل الخمس. والرسالة، هي أن ما يحدث في الساحل هو مشكلة أفريقية، وأن الدول الأوروبية موجودة فقط للمساعدة. ولسوء الحظ، هناك في قرى الساحل النائية والمنسية، تهمس الجماعات المتشددة مثل “داعش” بنفس الرسالة.