نهب الآثار العراقية والدروس المستفادة من وسائل التصرف عند فقدان التراث الوطني

نيك ليتش

إن حالة العبث التي تحيط بعائلة “غرين” الإنجيلية، وإمبراطوريتها التجارية المتمثلة في سلسلة محلات “هوبي لوبي”، ومتحف الإنجيل الجديد في واشنطن، وعودة الآلاف من الآثار العراقية المنهوبة تبدو دليلاً إيجابيًا على صحة ما قاله “كارل ماركس”. فالتاريخ يعيد نفسه، ولكن يبدو أن المأساة والعبث قد اجتمعا معاً في المرحلة نفسها.

في مايو، وأثناء انعقاد مؤتمرًا صحفيًا في السفارة العراقية في واشنطن، تم الإعلان عن أن العراق بصدد استرداد 3,800 قطعة أثرية قديمة من آثار بلاد الرافدين من أصل 5,500 قطعة اشتراها أحد متاجر لوازم الفنون والتحف المملوكة لعائلة “غرين” في العام 2010. وجاءت هذه الخطوة على عكس عملية السوق السوداء المعقدة والتي شهدت تهريب القطع الأثرية من العراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ثم جاءت عملية بيع تلك القطع والبالغ قيمتها “1,6” مليون دولار أمريكي بضوء أخضر من رئيس سلسلة محلات “هوب لوبي” ورئيس مجلس إدارة متحف الإنجيل السيد/ “ستيف غرين”، مخالفًا بذلك نصيحة الاستشاريين الثقافيين التابعين له. وتتضمن القطع الأثرية ألواح مسمارية تعود إلى العصر البرونزي، وطباعات أو أختام طينية، وزوج من الأختام الأسطوانية ذات النقوش الملكية تعود إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد.

غير أن المأساة تكمن في أن القطع الأثرية التي حصل عليها متجر “هوبي لوبي” و البالغ عددها 5,500 قطعة لا تمثل إلا قمة ذلك الجبل الهائل من القطع الأثرية التي تم تبديدها أو تفكيكها أو تشويهها أو حتى إتلافها خلال الفوضى التي خلفها الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 والدمار غير الأخلاقي على يد تنظيم داعش.

حتى مع استثناء الخسائر الأثرية غير المعدودة والتي تم نهبها من المدن الأثرية العراقية غير المكتشفة وغير المسجلة، لايزال هناك 8,000 قطعة أثرية مفقودة من الموطن الأكثر احتمالاً للقطع الأثرية المستردة من متجر “هوبي لوبي” – وهو المتحف الوطني في بغداد –، ويبقى السؤال الذي يلزم الإجابة عليه وهو كيف يمكن للدولة أن تتعامل مع هذه الكارثة الثقافية.

عند إضافة تلك القطع الأثرية إلى الكنوز التي فقدتها العراق على مدار القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي تشكل الآن جزءًا أساسيًا من المؤسسات كالمتحف البريطاني في لندن ومتحف بيرغامون في برلين، تكون النتيجة ثقافة مادية لم ترد قط إلا شتات قد لا يمكن إعادة تشكيلها مرة أخرى.

إن الأمر بالغ الأهمية لأنه يتجاوز عالم الآثار والمتاحف. ففي دولة مزقتها التوترات العرقية والدينية والطائفية، يكون معرفة الجميع بالتاريخ والتراث واحدة من النجاحات القليلة التي يمكن أن تنعقد عليها الآمال لبدء حوار وطني جديد، ولهذا تمت الإشادة بمشروعات منها مشروع المتحف البريطاني والذي قام فيه مؤخرًا بحماية جسر السومرية ذي الـ”4,000″ عام في مدينة “تيلو” بجنوب العراق باعتباره رمزًا لبزوغ فجر الأمة بعد عقود من الحروب.

ومع الاحتفاء بتلك الجهود، نجد أن الحديث عن التراث العراقي كثيرًا ما يتجاهل حقيقة أن المعاناة الطويلة والشعور المرير بالأسى والتشاؤم هي محور ما يمكن وصفه بأنه الشعور بالذات لدى أبناء بلاد الرافدين وهو ذلك الشعور الذي كان يتملكهم منذ العصر البرونزي. بالنسبة لقاطني أقدم المدن في التاريخ، كانت الحضارة مزيج من الرفاهية وأوجه الاستمرارية التي توفرها حياة الحضر، فهناك القضاء والشعر والقانون والموسيقى والأزياء والقرابة في ظل “اشتعال الصراعات” و”الرثاء”، والخوف والحروب والمآسي والرعب، كل هذا كان شكل الحضارة التي تناولت بالوصف “إنكي”، إله الحكمة عند أبناء بلاد الرافدين، في بداية قصة إنشاء الحضارة  السومرية والتي كانت تلميحًا للأسطورة التي عرفت فيما بعد بـ”صندوق باندورا”.

إن الشعور بأن هناك شيئًا لا يمكن استعادته، أو خسارة لا يمكن التعافي منها، هو أكثر الأمور التي تناولتها بوضوح القطع الأثرية العراقية الحديثة والمعروضة الآن في لندن وهي واحدة من المراكز العالمية لتجارة آثار بلاد الرافدين، سواء بشكل قانوني أو خلافه.

مع نهاية شهر مارس، وُضع تمثال الثور المجنح ساطع الألوان ذو الوجه البشري الغامض على الوطيدة الرابعة في ميدان ترافالغار. ويعتبر هذا الثور أحد أساطير الحضارة الآشورية القديمة، والذي كان في وقت من الأوقات حاميًا للبوابة نيرغال بوابة مدينة “ننوي” والتي تعرضت للدمار على يد تنظيم داعش في العام 2015، ولكن بخلاف المحاولات الأخرى الحديثة لإعادة تشكيل التراث العراقي، لم تكن ثم محاولات حقيقة لإعادة تشكيل هذا الثور. شيد الفنان والناشط الأمريكي ذو الأصول العراقية اليهودية “مايكل راكويتز” تمثالاً أطلق عليه “يجب التخلص من العدو الخفي”، واستخدم في تشييده 10,500 علبة من عصير البلح، وقد كرس هذا الفنان نفسه لإعادة تشكيل الآثار التي ماتزال مفقودة من المتحف العراقي باستخدام أغلفة الأطعمة والنفايات ليس أكثر. ووصف “راكويتز” هذا التمثال بأنه روح التمثال الأصلي، وبديلاً عن الأرواح البشرية التي لا يمكن إعادة تشكيلها.

وللقيام بهذا الأمر، اعترف “راكويتز” بأن حطام الآثار العراقية لا يمكن إصلاحها، وأن هذا الدمار – الذي بلغ حجمه وفقًا لعلماء الآثار والمحررون نفس الدمار الذي أحدثه المتمردون والغزاة – هو مأساة يجب استيعابها.

Getty Images/AFP/Win McNamee