الشرق الأوسط في حاجة إلى مؤسسات القوة الناعمة الخاصة به أمثال المجلس الثقافي البريطاني

جوناثان جرونال

AFP photo

يجب على أنصار اللغة العربية والمروجين لها الإحاطة علما ببعض التطورات المستمرة منذ أوائل القرن العشرين، ومن مرجل الإمبريالية والحرب كانت بذور تشكيل ثقافة شعوب العالم.

والبداية مع بريطانيا. بحلول العام 1934، كان الكساد المالي العالمي قد قوض مستويات التجارة والمعيشة، وزاد عدد الأيديولوجيات المتنافسة، وازدهرت الشيوعية في روسيا، واندلعت الفاشية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، ولم يفصلنا عن نشوب حرب عالمية أخرى سوى خمس “5” سنوات فقط. ولكن حتى عندما بدأت الحكومة البريطانية في إعادة تسليح نفسها، فإنها ابتكرت ما سيصبح واحدًا من أهم أسلحة القوة الناعمة، فأنشأت اللجنة البريطانية للعلاقات مع الدول الأخرى وذلك لغرس “المعرفة والفهم بشكل ودي بين شعب المملكة المتحدة وشعوب الدول الأخرى .. – وخلق الفرص وبناء الروابط وبث الشعور بالثقة”. “وبعد مرور خمسة وثمانين “85”عامًا، أصبحت هذه اللجنة تُعرف بـ”المجلس البريطاني”.

ولم تسلك بريطانيا وحدها هذا الطريق، فهناك ألمانيا التي أنشأت معهد “جوته” والذي كون بدوره شراكات في أكثر من 90 دولة [لبث] الثقة الدائمة في ألمانيا”. وتسعى جمعية “دانتي أليغييري” الإيطالية إلى “نشر اللغة والثقافة الإيطالية في جميع أنحاء العالم، كما يسعى المركز الثقافي الفرنسي إلى نشر اللغة والثقافة الفرنسية على المستوى الدولي “. وفي العام 2004، انضم إلى تلك المؤسسات والمعاهد “معهد كونفوشيوس”، والذي يهدف إلى نشر اللغة والثقافة الصينية. وتخطط الصين إلى الوصول بعدد معاهد كونفوشيوس إلى حوالى “1000” معهد مع حلول العام المقبل.

وتتواصل جميع تلك المنظمات التي تمولها الحكومة مع عشرات الملايين من الأشخاص كل عام، لمواصلة رسالتها المركزية المتمثلة في تعزيز الاقتصاد القومي لبلدانها من خلال تعزيز أهمية لغاتها.

والآن، أين هو صوت الجزيرة العربية في خضم هذا العالم سريع التغير في القرن الحادي والعشرين؟

نشأ المجلس الثقافي البريطاني وغيره من المنظمات والمؤسسات في عالم يشهد حقبة الاستعمار الأوروبي. واليوم، يتراجع تأثير الدول التي كانت قوى عظمى في وقت ما، وفي هذا العالم الجديد، لا يمكن إنكار النفوذ المتزايد لدول الخليج.

واستغلت دول الخليج الثروة النفطية أيما استغلال من أجل البدء في تنويع اقتصادها دون الاعتماد على الوقود الحفري. وفي الوقت الراهن، نجد أن دولًا مثل المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر لها قدمًا واستثمارات في جميع أنحاء العالم.

ويتطور نفوذ تلك الدول على جميع الجبهات. ففي هذا الشهر، قدم إلى أبوظبي الآلاف من الرياضيين من “190” دولة للمشاركة في الأولمبياد الخاص الألعاب العالمية أبوظبي، وهو الحدث الأول من نوعه الذي تستضيفه منطقة الخليج. وفي العام المقبل، سيصل عدد السياح الذين يزورون دبي فعليًا إلى حوالى 25 مليون زائر لمعرض إكسبو 2020، وهو أول عرض يتم تنظيمه في العالم العربي.

وفي المملكة المتحدة، يتم الآن الترويج للغة العربية باعتبارها واحدة من أهم اللغات اللازمة لسد الفجوة بين المهارات الوطنية والتي تبلغ تكلفتها وفقًا لتقدير المراجعة البرلمانية “35%” من الناتج المحلي الإجمالي.وهناك تقرير صادر عن المجلس الثقافي البريطاني يضع اللغة العربية ضمن اللغات الخمس التي تحتاج إليها المملكة المتحدة أكثر من غيرها. وفي الوقت نفسه، تعتبر وزارة الخارجية وشئون الكومنولث اللغة العربية واحدة من اللغات القليلة التي يجب على الدبلوماسيين إتقانها.

وأصبحت اللغة العربية على مشارف بلوغ العالمية. إذًا، فما هو الوقت المناسب للغة العربية لتجد مكانًا لها على الصعيد العالمي، وتنقل الكفاح التربوي والثقافي واللغوي إلى الغرب؟

يحتاج العالم العربي إلى “المجلس البريطاني” الخاص به للترويج للغة العربية وتعزيز أهميتها المتزايدة. لقد انقضى – أو كان لا بد أن ينقضي – ذلك العهد الذي يستطيع رجال الأعمال الناطقين باللغة الإنجليزية زيارة المنطقة ويتوقعون من السكان المحليين أن يتحدثوا بلغة رجال الأعمال. ولا علاقة للفخر بهذا الأمر. وبدلاً من ذلك، إنها عملية قائمة على المصلحة ومن شأنها أن تعزز أهمية العالم العربي والكلمة في هذا العصر الحديث.

ومن المؤكد أن هناك مؤسسات أثبتت وجودها مثل مركز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية، والذي أُنشئ عام 1994 في بكين. ومنذ تأسيسه، قدم مركز الشيخ زايد تدريبًا على اللغة العربية لأكثر من “1000” طالب. ولكن من أجل تعظيم الاستفادة من تلك المراكز، فمن الواجب أن يكون أي “مجلس عربي” سيتم إنشاؤه في المستقبل منتشر على نطاق واسع. وستكون دول مجلس التعاون الخليجي شريكًا معلومًا في تأسيس هذا المجلس، كما أن المجلس العربي بأكمله سيستفيد أيضًا كثيرًا من إدراج دول مثل مصر والعراق، لأنها الدول التي شهدت العديد من التطورات الثقافية والاجتماعية التي أثرت العالم.

وتفتقر صورة الجزيرة العربية الحديثة وصوتها إلى الدقة والتماسك في أعين الغرب، والذي يفتقر هو الآخر إلى الفهم الحقيقي للعالم العربي، فعلى الدوام، تتناول وسائل الإعلام الغربية ذلك العالم العربي بصورة سلبية فقط.

وهو ما يجب إيقافه. وكان سوء الفهم حول شبه الجزيرة العربية والإسلام قد أضر بالعلاقات بين دول المنطقة والعالم بأسره أو أدى إلى عواقب وخيمة على مدار عقود من الزمن. وبما أن العالم العربي أصبح محط اهتمام، فلم يعد كافيًا مجرد تجاهل سوء الفهم هذا، إذ يجب على المنطقة العربية أن تثبت صحة موقفها، ولذلك، ما الطريقة الأفضل لذلك بدلاً من استنساخ تجربة المجلس الثقافي البريطاني؟

ويمتلك المجلس الثقافي البريطاني، والذي يعتبر سلاحًا حيويًا في مستودع الأسلحة التابع لحكومة المملكة المتحدة، فروعًا في أكثر من 100 دولة، بما في ذلك ثلاثة “3” مكاتب في كلٍ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى في جميع أنحاء المنطقة. ويركز كل مركز على تعزيز النفوذ البريطاني من خلال الترويج للغة والفنون والثقافة الإنجليزية. وفي العام الماضي، تواصل مع المجلس الثقافي البريطاني في أنحاء العالم أكثر من 758 مليون شخص، إما بشكل مباشر أو من خلال المبادرات عبر الإنترنت والبث والمنشورات.

وفي المراجعة الدفاعية والأمنية الإستراتيجية لعام 2015، تعهدت حكومة المملكة المتحدة بانه “سنعزز أكثر من مكانتنا كقوة ناعمة رائدة في العالم هدفها هو تعزيز قيمنا ومصالحنا على الصعيد العالمي من خلال تقديم خدمتنا الدبلوماسية ذات المستوى العالمي، وتوفير مؤسسات مثل خدمة محطة “بي بي سي” العالمية والمجلس الثقافي البريطاني”.

وبإمكان دول الخليج امتلاك تلك القوة الناعمة، لكنها لا تطيق الاستغناء عنها. فعندما يأتي الملايين إلى دبي العام المقبل، في قلب معرض إكسبو 2020، فسيجدون المجلس العالمي، وهو “مكان لعقد الحوارات الشاملة المبنية على احترام الغير، و[التي] تهدف إلى بدء محادثة عالمية حول مواضيع ذات أهمية كبيرة في وقتنا هذا.

وتعتبر كلمة “المجلس” مفهومًا قديمًا داخل المجتمع العربي، وهي كلمة مرادفة بشكل عام لـ “المجلس”، لكنها غنية بالأجواء الثقافية. وإنها لأفضل كلمة يمكن تعليقها على أبواب المئات من مباني “المجلس العربي” في جميع أنحاء العالم، حيث يقدم كل مجلس دروسًا باللغة العربية إلى جانب المشاركات الاجتماعية والثقافية المُصممة لإلقاء الضوء على قيم شبه الجزيرة العربية الحقيقية من خلال بناء الجسور الثقافية والاجتماعية التي يحتاجها العالم بشدة.