الشرق الأوسط وضرورة تكثيف المساعدة لمبتوري الأطراف

ريم تينا غزال

AFP Photo: Louai Beshara

فتاة جل ماتريده هو أن تتمكن من معانقة الغير، لكنها لا تستطيع ذلك، وصبي لا يريد سوى لعب كرة القدم، لكنه لا يستطيع ذلك، ورجل مسن لا يريد سوى ارتداء حذائه المفضل المزود برباط، لكنه لا يستطيع ذلك. إن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو أنهم فقدوا أطرافهم، إذ فقدت الطفلة الصغيرة ذراعيها في هجوم صاروخي على الحي الذي تعيش فيه في سوريا، بينما كان الصبي اليمني الشاب يحاول الإمساك بالكرة وهي داخل شجيرات عندما انفجر لغم أرضي وفقد ساقيه، وذلك الرجل المسن هو رجل سعودي فقد قدمه بسبب الغرغينا الناتجة عن إصابته بمرض السكري.

وكما يصف “تي إس إليوت” ذلك بقوله، إن شهر أبريل هو أكثر الشهور قسوة. وهذا يدفع المرء إلى الاعتقاد بأنه ربما لهذا السبب فقط تم تخصيصه كشهر للتوعية بفقد الأطراف. ومع ذلك، ربما يكون شهر أبريل قاسيًا أيضًا لأنه رغم تكريس شهر بأكمله لهذه القضية، ومع نهاية كل شهر أبريل، نجد أن الوعي بهذا الأمر ضئيل، وهذا على الرغم من الجهود الضخمة التي بذلها تحالف المبتورين والذي أطلق حملته السنوية قبل 33 عامًا. (بالفعل، مضى زمن طويل على هذه الحملة.)

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، هناك أكثر من مليوني شخص بدون أطراف. ولسوء الحظ، لا تمتلك دول الشرق الأوسط أرقام يمكن الاعتماد عليها بشأن أعداد الذين فقدوا أطرافهم، غير أن التقارير الإعلامية من منطقة ممزقة بسبب الحروب خلال العقود القليلة الماضية تشير إلى أن الأرقام تبلغ مئات الآلاف. وفي عام 2017، أفادت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من “86,000” سوري عانوا من جروح تتطلب بتر أطرافهم. ضاعف مركز دمشق، وهو منشأة لإعادة التأهيل يديرها الهلال الأحمر السوري، والذي يزود الأطراف الصناعية المُصنّعة محليًا، إنتاجه من الأطراف الصناعية إلى 500 في عام 2018 من 250 في عام 2014، وانخفض هذا العدد إلى “50” منذ شهر مايو الماضي.

ولسوء الحظ، يمكن أن يكون طلب المساعدة من أجل فاقدي الأطراف “أمرًا صعبًا”، وهذا ما تبين للمنظمات غير الحكومية التي تحاول مساعدة المبتورين في جميع أنحاء العالم. فلا يوجد علاج لفقدان أحد الأطراف، ولا يوجد سوى الاستفادة بقدر الإمكان من هذا الوضع السيئ، والأفضل ليس متاحًا في أي مكان في العالم – ليس في البلدان الفقيرة، وبالتأكيد ليس في مناطق الحرب. وعليه، فإن مبتوري الأطراف، بما في ذلك الأطفال، يرتبطون بالأطراف الصناعية الرديئة غير المناسبة والتي تصيب جروحهم بالتقرحات المؤلمة، مما يصيبهم بالنزيف والعدوى – وهي حقيقة الحياة لمبتوري الأطراف، وهو أمر لا يعرفه سوى القليل منا.إن أحدث الأطراف الصناعية باهظة الثمن، كما أن المنظمات غير الحكومية المعنية بمبتوري الأطراف تعاني من نقص شديد في الأموال. وبدون دعم مالي سواء من الدولة أو القطاع الخاص، فلا يمكن لمبتوري الأطراف تحمل تكلفة تلك الأطراف الصناعية، فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة ساق روبوتية كاملة “40,000” دولار أمريكي وأكثر. وشعرت بالصدمة الشديدة بعدما علمت – أثناء سؤالي عن أحد الأشخاص المقربين إلي – بأن شركات التأمين الصحي لن تغطي في كثير من الأحيان تكلفة شراء الأطراف الاصطناعية وتركيبها، ناهيك عن تكلفة إعادة التأهيل، وأي استشارة أسرية مطلوبة – للتعامل مع عملية البتر التي تؤثر أيضًا على أفراد الأسرة، بل أن هذا الإجراء يسري على من يتمتعون بأعلى مستوى من التأمين الصحي. وما يزيد الطين بلة، هو أن بعض شركات التأمين تبرر حتى رفضها لتغطية الأطراف الاصطناعية على أساس أنها “مستحضرات تجميل”.وفي عام 2004، أجريت مقابلة مع شاب عراقي كان يعمل في مجال التخلص من القنابل، وفقد هذا الشاب ذراعيه أثناء محاولته نزع فتيل سيارة مفخخة، وكان هذا الشاب هو الضحية الوحيدة في الانفجار. وبينما هو مستلقي على سريره في المستشفى، سمع هذا الشاب زوجته الباكية وهي تصفه بأنه “نصف رجل”. وبينما يحاول الشاب منع دموعه، والتي لم يستطع مسحها، أصر الشاب على أنه “سيفعل ذلك مرة أخرى”، لقد أنقذت الحي، وهذا ما يفعله الرجال الحقيقيون. “لقد استغرق الأمر سنوات حتى حصل الشاب على الأطراف الاصطناعية المتقدمة اللازمة له، بل أن الأمر لم يعد ممكنًا بعد ذلك إلا من خلال تبرعات من نفس الأشخاص الذين أنقذهم.وبالطبع، لا تقع جميع حوادث البتر بسبب الحرب، فهناك من يفقدون أطرافهم بسبب الحوادث أو لأسباب صحية. ويشكل مرض السكري واحدًا من أخطر المشكلات الصحية التي يواجهها العالم العربي، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي. ففي المملكة العربية السعودية، يتعرض “5,000” شخص سنويًا لعمليات بتر أقدامهم بسبب مرض السكري، وذلك وفقًا للأرقام الصادرة في الصيف الماضي من قبل الاتحاد الدولي للسكري. وتوقعت دراسة نشرت في عام 2017 في مجلة “بلوس ون”، وهي مجلة علمية تمت مراجعتها من متخصصين ونشرتها المكتبة العامة للعلوم في الولايات المتحدة، أن معدل الزيادة في مرض السكري من النوع 2 في دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات العشرين الماضية يشير إلى عدد الحالات ستتضاعف تقريبًا مرة أخرى بحلول عام 2035. وتتفاقم المشكلة بسبب نقص الخبرة في العناية المتخصصة بالجروح، ولاسيما العناية بأقدام مرضى السكري، والتي قد تمنع بعض عمليات البتر.وفي الألعاب الأولمبية الخاصة التي نظمتها أبو ظبي مؤخراً، تحدث الرياضيون من أصحاب الهمم عن حياتهم بشكل طبيعي رغم فقدانهم لأحد أطرافهم، ومع الوقت هناك تطورات تطرأ على مجال الأطراف الصناعية. وتبلغ التكلفة الأساسية لليد الروبوتية حوالى “4,000” دولار أمريكي، ويمكن صناعة طرف اصطناعي ثلاثي الأبعاد بعشرة أضعاف هذه التكلفة. ومع ذلك، بالنسبة لمن يعيش في خضم الحرب وفي الفقر، فلا يزال مبلغ “4,00” دولار أمريكي مبلغًا صعب المنال، كما تفوق مساعدتهم أيضًا قدرات المنظمات غير الحكومية، إلا إذا حصلت تلك المنظمات على الدعم المالي الكافي والمستديم.ويصر كل شخص مبتور قابلته يومًا على أنه لا يرغب أن يشعر بشفقة من حوله أو الخوف أو التمييز، ولا يريد لمن حوله أن يشعر بعدم الارتياح، فجل ما يريده هو أن ينال فرصة لأن يمارس حياته بشكل طبيعي، وأن يكون شخصًا كاملاً بقدر الإمكان.وفي سبيل هذا، يحتاج مبتورو الأطراف إلى من يساندهم، إلى ذلك البطل القوي الذي يمكنه تحمل قضيتهم وإنشاء مظلة للمنظمات غير الحكومية الصغيرة العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويحاول جاهدًا لتحسين الأمور بأقل الموارد.وبالفعل، يحتاج الأمر إلى الأموال – الكثير من الأموال، غير أن النتيجة والفوائد لا تقدر بثمن، وأول ما ينتفع به المرء هو إدراكه لهذه المسألة ووعيه بها.