أزمة القمامة في الشرق الأوسط لن تحل ببناء مدافن أفضل، فالمنطقة تحتاج لتقليص إنتاج النفايات

آن ماري مكوين

إن مسألة التعامل مع القمامة هي مشكل مطروح في مختلف أنحاء العالم، لكن في الشرق الأوسط قد يصل هذا المشكل إلى درجة الأزمة. فهنا ننتج نفايات أكثر من اللازم، ونعول بدرجة مفرطة على المدافن للتخلص منها. وما يزيد الطين بلة، أن كثيراً من هذه المدافن باتت قاب قوسين أو أدنى من أن تتحول إلى كوارث بيئية، أو أصبحت فعلاً أزمة حقيقية. ورغم أن هناك مبادرات في بعض الأماكن لمعالجة هذه الإشكالية قبل أن تستحيل إدارتها، فإن الحل النهائي لمشكلة التخلص من النفايات لا يكمن في إدارة المدافن، وإنما في تقليص الطلب على مواقع التخلص من هذه النفايات، لكن هل الشركات والمواطنون مستعدون لهذا الأمر؟

إن مدافن النفايات في هذه البقعة من العالم لا تعدو كونها مجرد مكبّات قمامة مبنية بشكل سيء في معظم الأحيان. حيث إنها تفتقر إلى الضمانات التي يشترطها القانون في الاقتصادات المتقدمة وفي العديد من الدول ذات الدخل المتوسط. وتشمل هذه الشروط توفر بطانة سفلية تحول دون تلويث النفايات للتربة تحت الأرض، أو آلية لتجميع ومعالجة “الرشح”، سواء كان عبارة عن سوائل متسربة من أغذية متحللة على سبيل المثال، أو مواد أكثر خطورة. كما أنه من النادر أن يوجد هنا نظام لتجميع الميثان الناتج عن مدافن النفايات – والذي تفوق كثيراً خطورته بالنسبة للبيئة خطورة ثنائي أكسيد الكربون – ناهيك عن تحويله إلى طاقة، مع أن هذا الأمر يعد ممارسة اعتيادية في الاقتصادات المتقدمة.

ولعل المثال الأوضح والأكثر إثارة للقلق على وجود أزمة قمامة يتجسد في لبنان، حيث إن ما يناهز 900 مكب قمامة قد امتلأت لدرجة الانفجار، بل أصبحت متعفنة. وقد طفت هذه الأزمة على السطح في عام 2015 حينما تجاوز أهم مدافن النفايات في البلاد تاريخ صلاحيته، ما ترتبت عنه مظاهرات حاشدة تحت شعار “طلعت ريحتكم”، نجم عنها نشر لقوات الجيش اللبناني. أما في هذه السنة، غطت عاصفة شتاء أحد شواطئ لبنان برداء من القمامة، ما تسبب في إحراج كبير وأثبت أن ما من شيء قد تغير فعلاً. ومع تنوع الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلة، تظل رائحة القمامة أول ما يستقبل الزائرين عند وصولهم إلى مطار بيروت، ولا يبدو أن هذه الرائحة ستضمحل عما قريب.

وعلى النقيض من ذلك، قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة أشواطاً مهمة في سعيها للحاق بباقي دول العالم. حيث إن أبوظبي تخطط لنقل 80% من نفايات المدافن، مقارنة بـ30% حالياً، إلى محطات إعادة التدوير بحلول 2030. من جهتها، حددت دبي بداية معرض “إكسبو الدولي 2020” كتاريخ لإتمام العمل على محطة لتحويل النفايات إلى طاقة بقيمة 700 مليون دولار ستقوم بتحويل طنين اثنين من النفايات الصلبة إلى طاقة كهربائية تكفي أزيد من 100 ألف منزل.

إضافة إلى ذلك، هناك مشاريع لالتقاط الميثان يجري تنفيذها في مدافن النفايات في رأس الخيمة ودبي، كما تخطط أبوظبي لالتقاط الميثان المنتج في مدفن للنفايات وتحويله إلى كهرباء. وستشغل هذه الكهرباء محطة جديدة ستقوم بمعالجة 40 ألف لتر يومياً من زيت الطهي التي تجد طريقها من المطاعم إلى مكبات القمامة، وإعادة تدويرها لتصبح عبارة عن وقود الديزل الحيوي. كما أنها ستشغل محرقة جديدة لآلاف الأطنان من النفايات الطبية والخطيرة التي يتم إنتاجها سنوياً. ويرتكز هذا المخطط على الاستثمار الصناعي والمبيعات والرسوم، وذلك حتى لا تتحمل الحكومة أي تكاليف.

وفي موقعٍ وسط بين حالة لبنان الكارثية وأهداف دولة الإمارات، نجد عمان التي قامت منذ 2006 بإغلاق 300 ألف مكب قمامة في مختلف مناطق البلاد واستبدلتها بثمانية مدافن للنفايات، كما سيرى اثنان آخران النور عما قريب. ومن المبادرات الأخرى، تخطط البلاد لتحويل النفايات إلى بخار، كما أنها قد أطلقت خمس منشآت للفرز، قامت خلال السنة الماضية بإعادة تدوير 10% من النفايات البلدية التي يتم إنتاجها والمقدر حجمها بمليوني طن.

لكن وعلى الرغم من هذه الجهود، لا يُظهر مصدر هذه المشكلة أي إشارات تدل على انحساره، كما تظل المنطقة من بين أكبر المنتجين للنفايات في العالم. ففي الكويت على سبيل المثال، هناك 18 مدفن نفايات، أربعة منها ما زالت تعمل. ولم تكن أي من هذه المدافن مصممة لحماية البيئة. كما أنه ما من خطط مستقبلية لهذه المدافن، رغم الإشكاليات المتعلقة بالصحة العامة والبيئة التي تترتب عنها، من قبيل الحرائق الناجمة عن اشتعال النفايات، والانبعاثات الخطيرة وغيرها. أضف إلى ذلك أن المعدل الفردي لإنتاج النفايات في البلاد يظل من بين الأعلى في العالم.

ويقول ستيفان سينغر، مستشار الطاقة المتجددة في شبكة العمل المناخي في بيروت، إن مشاريع توليد الطاقة التي تعتمد على النفايات لا تشكل برنامجا للطاقة المتجددة أو النظيفة. ويقول: “إنكم تقومون ببناء إمداداتكم إلى حد ما على الإنتاج المتواصل للقمامة والاعتماد عليها”. “ينبغي أن تكون الأولوية القصوى هي تقليل النفايات وإعادة تدويرها وتجنبها قدر الإمكان”.

إن كافة الجهود القائمة للتصدي لتدفق القمامة بشكل مستمر ودون توقف في مختلف أرجاء المنطقة لا شك أنها طموحة، بل ومثيرة للإعجاب، حتى وإن جاءت متأخرة. لكن مازال هناك المزيد من العمل لمعالجة الإشكالية الأكبر، والمتمثلة في إنتاج كل فرد لنفايات أكثر من اللازم ودون توقف، ناهيك عن الشركات والصناعات. وسواء تعلق الأمر ببقايا الطعام من آخر وليمة، أو بأنشطة البناء والتدمير التي لا تنتهي في مختلف أنحاء المنطقة، يجب أن نوجه تركيزنا بعيداُ عن مدافن النفايات ونحو إيجاد سبل لتقليص حجم القمامة التي يتم إنتاجها. لكن هذا الأمر سيتطلب الضغط على الصناعة والأفراد ليتحملوا مسؤولية تخفيف إنتاجهم بطرق مقبولة في العالم المتقدم: إذ يمكن على سبيل المثال فرض غرامات على الأفراد والشركات التي لا تقوم بعمليات إعادة التدوير وفق المعايير التي تنص عليها الحكومات.

بيد أن الحكومات، دون الحديث عن الشعوب التي تعيش وتعمل في هذه البقعة من العالم، قد لا تكون مستعدة لمثل هذه الإجراءات.

آن ماري مكوين صحافية مستقلة تنشط في الصحافة الرقمية والورقية والبثية، مقرها في أبوظبي.

AFP PHOTO / ABDELHAK SENNA