الخطر الحقيقي في الخليج العربي كامنٌ أسفل المياه، لا فوقها

جوناثان جرونال

AFP Photo: Manjunath Kiran

اتجه الانتباه العالمي في الشهور الماضية إلى المسرحية الجيوسياسية الجارية في مضيق هرمز. لكن الأبحاث الحديثة ترجح أن التهديد الأكبر للحياة في الخليج العربي وحوله لن يوجد فوق سطح المياه التي ترجّها السفن الحربية؛ بل في الأعماق أسفل هذه المياه. والأنباء في هذا الصدد شديدة الخطورة حقًا. حيث خلُصت دراسة جديدة أجريت في فرع جامعة “نيويورك” بإمارة أبي ظبي أن الاحترار السريع لمياه الخليج العربي يسرّع من تحويل بحر العرب إلى منطقة ميتة تفقد إمكانية دعم وجود حياة للأسماك أو النباتات بها.

فبفضل النشاط البشري، الذي يشتمل على التنمية الساحلية وكذا تزايد ناتج غازات الاحتباس الحراري، تتحول مساحات غير مسبوقة في كِبرها من محيطات العالم إلى منطقة خراب بحري مجردة من الأوكسجين. وتزايد الحجم الكلي لهذه المناطق المُسماة بـ “المناطق التي تحوي اقل قدر من الأوكسجين”، على مدار السنوات الخمسين الأخيرة، ليتضاعف أربع مرات، ويحتل الآن منطقة من المحيط تماثل في كِبرها مساحة الاتحاد الأوروبي.

ويُحتمل أن تكون تداعيات هذا الامر كارثية. ووفقًا لما نصت عليه ورقة بحثية نُشِرت العام الماضي، فإن العالم سيواجه “تغيرات هائلة في… التنوع البيولوجي، [و] ينهار النظام البيئي إذا واصلت المناطق الميتة تمددها؛ وهو ما سيسبب في النهاية ضررًا مجتمعي واقتصادي”.

لطالما عرف العلماء أن إحدى أكبر المناطق الميتة في العالم توجد في بحر العرب؛ لكن عددًا محدودًا من الأبحاث أخفى بين طياته الحجم الحقيقي للمشكلة. الآن وبعد صدور دراستين كبيرتين، أُزيح القناع، ليكشف عن تداعيات التنمية الساحلية في الخليج العربي التي تتم بسرعة البرق. الآن قد عُرِف أن الحجم الحقيقي للمنطقة الميتة ببحر العرب هو الأكبر في العالم، والفضل في ذلك يرجع لاجراء مسح كامل للأعماق خلال العامين 2015-2016  من قبل فريق من الأخصائيين البريطانيين بعلم المحيطات، بالتعاون مع كلية العلوم الزراعية والبحرية بجامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان والتي نشرت ما توصلوا إليه من نتائج في ورقة بحثية العام الماضي.

وتسببت القرصنة والتوترات الجيوسياسية في حظر اجراء تلك الأبحاث في هذه المنطقة، بخلاف العينتين التي تم اجرائهم خلال حقبتيْ الستينيات والتسعينيات. وكان الحل أمام الفريق هو نشر طائرتيْن بدون طيار مخصصتين للتصوير تحت الماء ومجهزتين بأجهزة قياس. عملت الماكينتان على التقاط القياسات ذهابًا وإيابًا تحت الأمواج في الخليج العُماني لمدة ثمانية أشهر، لأخذ عينات من مستويات الأكسجين عند أعماق مختلفة وفي أوقات مختلفة من العام. وقد كان ما انتهت إليه الدراسة ينذر بالخطر.

كانت النمذجة الحاسوبية قد تنبأت باستمرار هبوط مستويات الأوكسجين في بحر العرب. لكن، حين قارن الباحثون نتائج استطلاعهم بالبيانات التاريخية، وجدوا أن الموقف أسوأ كثيرًا من التوقعات. لقد تنامت المنطقة الميتة وتغيَّر مركزها من مرحلة “نقص الاكسجين” (أي انخفاض مستويات الأوكسجين) إلى “نقص الأكسدة”، وهي حالة تصبح مستويات الأوكسجين فيها شديدة الانخفاض لدرجة أنه لن يكون المحيط مهيئ لوجود حياه فيه؛ بل سيتعطل نظامه البيئي بأكمله.

عندما تُحرَم العوالق النباتية من الأوكسجين – والعوالق هي الأحياء الميكروسكوبية التي تؤدي عادةً دورًا لا يُقدر بثمن في حفظ ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي – فإنها تتشرد، وتتجه إلى إنتاج كميات عالية الكثافة من أكسيد النيتروز؛ وهو أحد غازات الاحتباس الحراري بالغة القوة. واتفقت نتائج الاستطلاع مع دراسة صدرت الأسبوع الماضي فحسب من قِبل مركز النمذجة الأولية للمناخ التابع لجامعة “نيويورك” في أبو ظبي، والتي استنتجت أن الاحترار السريع للخليج العربي يساهم في تكثيف المنطقة الميتة في بحر العرب وتمددها.

ومن الواضح مسبقًا أن التنمية الساحلية في دول مجلس التعاون الخليجي المزدهرة اقتصاديًا لها تأثير بيئي مأساوي. وقبل عام مضى، تنبأ باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية بأن “عوامل الضغط البشرية المتعددة” ستدفع ثلث الأحياء البحرية إلى الانقراض في الخليج العربي بحلول عام 2090.وألقى الباحثون باللوم على “التأثيرات المتآزرة” لتغير المناخ (حيث ترتفع درجات حرارة المياه وتنخفض مستويات الأوكسجين)، وعلى تدمير العادات البحرية، وعلى الصيد الجائر، إلى جانب عملية تحلية مياه البحر التي تنتِج كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون وتعيد ضخ مياه مالحة عالية التركيز في البحر.وقد تأكدت أن هذه المخاوف في يناير الماضي، حين كشفت هيئة البيئة في أبو ظبي أن أكثر من 85% من أنواع الأسماك الأكثر انتشارًا في الخليج قد قُضي عليها بالفعل نتيجة الصيد الجائر.

وقد كشف البحث الذي أُجري بجامعة “نيويورك” في أبو ظبي مؤخرا عن مثال مروع عن الدمار الذي يحدث نتيجة للأنشطة البشرية التي تتم في الخليج؛ متمثلًا في مساهمة المياه سريعة التسخين في الخليج في زيادة حجم وكثافة المنطقة الميتة ببحر العرب. ولا تزداد مشكلات الخليج إلا سوءًا نظرا لان حواف المنطقة الميتة أكثر قربًا من مضيق هرمز.

ويعد تدفق المياه من الخليج بمثابة أحد المصادر الرئيسية للأوكسجين في بحر العرب. ومن الناحية التاريخية، فبينما تصب المياه عبر المضيق فإنها تغوص إلى عمق بين 200 متر و300 متر، لتعوض النقص في مستويات الأوكسجين وتقلل كثافة المنطقة الميتة. لكن بينما يبلغ متوسط عمق المياه في الخليج العربي 35 مترًا فقط، وفقًا لما لاحظه باحثو جامعة “نيويورك”، فإنه “معرض بصفة خاصة للاحترار الموسع في ظل تغير المناخ”، فضلًا عن أن حرارة المياه مستمرة في الزيادة منذ 1985 بمعدل 0.6 درجة سليزية كل عِقد من الزمن. وهذه المياه التي تصير أكثر حرارةً، وأقل قدرةً على الطفو، وتحمل قدرًا أقل من الأوكسجين، غير قادرة على تعويض نقص الأوكسجين في المنطقة الميتة.

وتشير ورقة بحثية نُشِرت في دورية Geophysical Researchالعلمية إلى أن البشر يمكنهم المساعدة في تقليل تناقص الأوكسجين ووقف تمدد المنطقة الميتة، من خلال تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. الا ان تلك النتيجة ماهي الا محض التمني في منطقة تحتاج إلى توسع اقتصادي مستمر، وتعاني من زيادة الطلب على الطاقة والمياه العذبة  اكثر من أي وقت مضى.

والحقيقة أن السكان والحيوانات والنباتات، يعتمد كلٌ منهم في بقائه على الآخر وعلى البيئة التي يعيشون فيها، ومحصورين في دائرة مفرغة. ومن ثم تكون المأساة التي تتكشّف بين طيات الأمواج في البحار وراء مضيق هرمز هي صورة مصغرة من المشكلة المحيرة التي تبدو بلا حل، والتي يواجها الكوكب بأكمله. كما تبدو هذه المأساة درسًا متخصصًا حكيمًا في التعقيدات السببية للاحتباس الحراري، وتذكيرًا بأن النشاط البشري عند كل مستوى له يؤثر على البيئة بطرق يتعذر على اغلبنا مجرد استيعابها.