لا تُعتبر قضية إصلاح جورج دبليو بوش أمرا هزليا

فيصل اليافعي

Image courtesy of Nicholas Kamm / AFP

يا للعجب، كيف ضحك الجمهور على الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش عندما كان يُلقي خطاباً في الأسبوع الماضي في ولاية تكساس، حينما تناول في خطابه موضوع الحرب في أوكرانيا، وأعتبر جورج دبليو بوش، أسوأ رئيس أمريكي سابق حتى بدأ عصر سياسي تلفزيون الواقع.

وقال جورج مخاطباَ الجمهور “الانتخابات الروسية مزورة، ويُسجن المعارضون السياسيون أو يتم إقصاؤهم من المشاركة في العملية الانتخابية، والنتيجة هي غياب الضوابط والتوازنات في روسيا، وقرار رجل واحد بشن غزو وحشي وغير مبرر على الإطلاق على العراق “.

وما أثار الدهشة هو أن الخطأ ظل معلقا في الهواء لبرهة من الزمن، قبل أن يصحح بوش نفسه قائلاً “أقصد على أوكرانيا.”

لكن الجزء الأسوأ جاء بعد ذلك، بعد أن هز كتفيه، وبدا وكأنه أومأ برأسه لنفسه قائلاً “العراق أيضًا” بطريقة غير مألوفة، وضحك الجمهور، متسامحًا بشكل مفاجئ مع هذا الاعتراف الذي طال انتظاره من قبل الرجل الذي أمر بأسوأ قرار سياسي أمريكي في القرن الحادي والعشرين.

وبطبيعة الحال، كرر مقدمو البرامج التلفزيونية “ليت نايت” وصيادو الطرائف على وسائل التواصل الاجتماعي المقطع إلى ما لا نهاية، ربما مستمعين بذكرياتهم حول ذلك الزمن الذي أثار فيه ميل جورج دبليو بوش للزلات الفضية الخطيرة السخرية فقط ولم يثير احتمال نشوب حرب نووية، كما كان الحال مع انتقادات دونالد ترامب لـ “كيم جونغ أون”.

ومع ذلك فإنه من نافلة القول، الحديث عن وجود أي شيء مضحك في اعتراف بوش، وكان حري بالجمهور أن يخجل من الضحك في مثل ذلك الموقف، حيث دمرت حرب العراق البلاد وتجاوز آثارها حدوده، فضلا عن مقتل مئات الآلاف، وتخريب حضارة العراق ونهب ثرواته والصدمة النفسية التي عاشها ويعيشها الشعب العراقي، لقد كانت جريمة تاريخية بكل المقاييس. وفي الواقع، كان أسوأ من ضحك الجمهور هو الفهم المشترك بأن لا بوش ولا أي شخص عمل في حكومته سيواجه أي نوع من أنواع العواقب على الإطلاق إزاء تلك الفعلة.

ولا شك أن الجمهور ما كان ليضحك على خطاب مماثل لفلاديمير بوتين بشأن غزوه لأوكرانيا، ولا على صدام حسين بسبب غزوه للكويت.

لكن مثل هذا الضحك المبرر هو مؤشر على إصلاح رئيس كان سامًا سياسياً إلى سنوات قليلة ماضية فقط، والافتقار المطلق للمعرفة حول حرب العراق في المجتمع الأمريكي.

هذا على الرغم من حقيقة أن الحربين اللتين أشعلهما بوش ما زالتا مشتعلتين، حيث وقع الانسحاب الفاشل من أفغانستان العام الماضي فقط، وهو أمر يصعب تذكره في خضم حرب أوكرانيا.

ولا يزال هناك جنود أمريكيون في العراق وهم لايزالون يقتلون من حين لآخر، وهذا يعني أن هذا هو العقد الثالث الذي يموت فيه الرجال والنساء الأمريكيون في العراق بسبب الحرب التي شنها بوش.

وإذا كان المجتمع الأمريكي بصورة عامة قد نسي الحرب في العراق، بصرف النظر عن الاهتمام الكبير بموضوع العراق في الصيف الماضي أثناء الانسحاب من أفغانستان، فمن المؤكد أن أسر الآلاف من القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى الأمريكيين في تلك الحرب لم ينسوها بعد.

وأشك في أن أيًا من تلك العائلات التي شاهدت مقطع الفيديو الخاص بـ “بوش” وجدته مسليًا، أو أنها مالت إلى تفسيره بشكل مبسط على أنه إشارة على تقدم العمر لرجل عجوز، وكان ذلك بالتأكيد ما رآه بوش، حيث هز كتفيه، فهو على أية حال يبلغ من العمر 75 عامًا.

ويكاد يكون من المغالاة القول إن ملايين الأفغان والعراقيين والعرب الذين شعروا مباشرة بوطأة تلك الكوارث قد وجدوا الأمر مسلياً.

وجزء من سبب نسيان الحرب الأمريكية الأكثر كارثية هو أن الجيل السياسي الذي شن تلك الحرب قد بدأ في الرحيل.

فقد توفي دونالد رامسفيلد في العام الماضي، وهو الذي كان وزير الدفاع المتشدد الأكثر ارتباطاً باندفاع بوش نحو تلك الحرب.

ووزير خارجية بوش ” كولين باول ” وهو الرجل الذي ألقى خطابًا محوريًا أمام الأمم المتحدة في الفترة التي سبقت الغزو وهو خطاب ندم عليه لاحقًا واعترف بأنه “شوه سجلي” – توفي أيضًا في نهاية عام 2021.

أما نائب رئيس بوش “ديك تشيني” فهو في الثمانينيات من عمره ونادرا ما يظهر علنا ​​الآن.

وبينما واجه بعض أعضاء مجلس وزراء بوش بعض الازدراء العلني، لكن لم يكن هناك محاسبة سياسية أو قانونية، ولا شيء يماثل تحقيق تشيلكوت البريطاني، وهو تحقيق مدته سبع سنوات استجوب الشهود بشأن قرار خوض الحرب، بما في ذلك رئيس الوزراء السابق توني بلير، فعلى الأقل واجه بلير تحقيقا، رغم أنه كان أمام موظف حكومي وليس قاضيا كما كان يتمنى منتقدوه.

وفي الواقع، وبعيدًا عن أي نوع من الحسابات السياسية، تمت إصلاح العديد من مهندسي الحرب، وأنصارها في السياسة والإعلام، واستمروا في الحصول على وظائف ممتازة.

ولا يوجد شخص واحد يلخص هذا بشكل أفضل من “جون بولتون” العدواني بلا هوادة، وهو الرجل الذي، كما قالت إليزابيث وارين متهكمة، لم يواجه أبدًا حربًا لم تثر إعجابه. ولم يكن ذلك في الحقيقة مزحة، بل كان تحليلًا لسجله الحافل في الحكومة، أولاً مع بوش، حيث كان الشخص الذي الي شجع على غزو العراق عام 2003، ثم ظهر مرة أخرى كمستشار للأمن القومي لدونالد ترامب، عازمًا على جر الولايات المتحدة إلى الحرب في إيران وكوريا الشمالية، لكن يبدو أن معارضته اللاحقة لترامب أزالت أثم جريمة غزو العراق.

كما سلك بوش نفسه نفس الطريق، من منبوذ سياسيًا إلى رجل دولة عجوز، وإن كان محرجًا في بعض الأحيان، والسبب هو “دونالد ترامب”.

لقد كان ترامب سامًا على الصعيد السياسي، وكان شديد العدوانية، ولم يكن محنك، كما افتقر إلى الفهم الأساسي حول الكياسة في الحياة السياسية، لدرجة أن كلاً من المحافظين والليبراليين في الولايات المتحدة كانوا على استعداد للتسامح مع خطايا عهد بوش، ليتسنى لهم تخيل وجود ماضًي سياسيً طبيعيً قبل ترامب. إن قرار رجل واحد بشن غزو وحشي غير مبرر بالكامل يمكن اختزاله في نكتة على أمل أن يحجب الضحك عار ما سيحدث بعد ذلك.

 

يعمل فيصل اليافعي حاليًا على تأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق منتظم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، كما عمل لمنافذ إخبارية مثل “ذاغاردين” و “بي بي سي” ونشر تقارير عن الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وآسيا، وأفريقيا.