الروس يواجهون منافسيهم في ليبيا

نيل هاور

AFP Photo: Handout from Russian Foreign Ministry

شهد منتصف العقد الماضي عودة روسيا إلى منطقة الشرق الأوسط بقوة أكبر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي قبل حوالي 30 عامًا. وبينما تسعى روسيا جاهدة لإثبات مكانتها مرة أخرى في منطقة كان نفوذها فيها يأتي بعد نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، استخدمت موسكو تدخلها العسكري الناجح إلى حد كبير في الحرب الأهلية السورية لتعزيز وضعها، وتوقيع صفقات سياسية وعسكرية جديدة مع دول تتراوح من مصر والأردن إلى العراق وتركيا وإيران. إن هذا التفوق الدائم على ما يبدو، واحتمال أن تصبح روسيا في ظل عهد “فلاديمير بوتين” منافسًا حقيقًا في الشرق الأوسط قد أثار قلق صانعي السياسة والمحللين الأمريكيين.

ولكن مع دخولها دولة مضطربة في جنوب البحر الأبيض المتوسط، كان من الممكن أن تلتزم موسكو بما يفوق طاقتها.

وتشير الأشهر الثلاثة الماضية من التدخل الروسي في ليبيا إلى أن الكرملين غير قادر على ترجيح كفته بشكل حاسم هناك كما فعل في سوريا – والأسوأ من ذلك، أن صانعي السياسة الروس إما أنهم لا يعرفون كيف يرجحون كفتهم أو لا يريدون أن يعرفوا ذلك.

وبدلاً من ذلك، نجد أن الروس يصعدون من تدخلهم في ليبيا، مما يزيد من فرص حدوث خسائر سياسية ومادية كبيرة، مع احتمال ضئيل لتحقيق أي انجاز.

وبعد ضخ المئات من المرتزقة في ليبيا في العام الماضي لدعم “خليفة حفتر” قائد الجيش الوطني الليبي (LNA)، تتصاعد خسائر الأفراد الروس. وتشير إحدى القنوات الإخبارية الاستقصائية “ميدوزا” إلى مقتل “35” روسي بحلول شهر أكتوبر لعام 2019، على مستوى قوات وكالة العقود العسكرية الخاصة “فاجنر” أو المرتزقة المستقلين. لم تظهر أية بيانات حديثة عن الإصابات منذ ذلك الحين، وعلى الرغم من التقارير التي تشير إلى أن جنوداً روس متعاقدين يقاتلون في طرابلس خلال شهر ديسمبر على الأقل، فمن المؤكد أن عدد القتلى سيرتفع. ويشير البيان الرسمي الصادر هذا الشهر والذي يؤكد على وفاة أول جندي نظامي في الجيش الروسي إلى مدى تدخل موسكو في ليبيا، وإلى نية زيادة دعمها لحفتر والجيش الوطني الليبي (LNA).

ومن شأن هذا الدعم أن يوسع الخلاف بين روسيا وتركيا، شريكة موسكو السابقة في سوريا. واختارت تركيا دعم الجانب الآخر، وهي حكومة الوفاق الوطني (GNA)، من خلال إرسال مستشارين عسكريين و”2000″ مقاتل سوري، بالإضافة إلى تعهد الرئيس رجب طيب أردوغان “بتلقين حفتر درسًا” إذا واصل قائد الجيش الوطني الليبي LNA تقدمه نحو طرابلس.

وليس هناك أسوأ من هذا التوقيت. فقد أدى الهجوم الذي شنته قوات النظام السوري بدعمٍ من روسيا إلى مقتل الجنود الأتراك وخلق أزمة جديدة للاجئين على الحدود التركية مع سوريا، مما دفع أردوغان إلى التهديد بالانتقام العسكري من جانب واحد. إن التحالف بين موسكو وأنقرة، والذي كان حاسماً في تعزيز المكاسب الروسية في سوريا، قد وصل إلى نقطة الانهيار.

ويثير مقتل أول جندي روسي في الجيش النظامي داخل ليبيا عددًا من الاحتمالات المثيرة للاهتمام. ففي سوريا، نشرت موسكو نوعين رئيسيين من القوات البرية: مستشارون عسكريون لتشكيلات مسلحة مختارة مؤيدة للنظام، وقوات خاصة تعمل كقوات مشاة خفيفة، ودورها هو تنفيذ مهام مثل الاستطلاع، واستكشاف مواقع المدفعية، وشن الغارات الجوية.

ونظرًا لعدم وجود دليل على أن “جليب موستوفوي”، ,الذي دُفن في قريته الأم بالقرب من حدود كازاخستان في 14 فبراير، كان فردًا في أي من وحدات القوات الخاصة، فيجب أن نفترض أنه كان “مستشارًا عسكريًا”. وإذا كانت روسيا تكرر في ليبيا نفس إستراتيجيتها في سوريا، فإن موت “موستوفوي” يشير إلى أن إستراتيجيتها لا تحقق النتائج نفسها كما كان الحال في سوريا. وقد تكون الخطوة التالية هي إرسال قوات خاصة لتعزيز قوات “حفتر” على أمل كسر حالة الجمود.

إن العنصر الأقل شهرة في القوات الروسية في سوريا هو الكتائب الأربع للشرطة العسكرية في شمال القوقاز. ويبلغ عددهم حوالى “400” مقاتل، ويمكن تمييزهم بسهولة، وقد أثبتوا فعاليتهم بشكل ملحوظ في استقرار الخطوط الأمامية (وبالتالي تمكين انتقال العمالة إلى أي مكان آخر)، وردع القوات الأخرى (مثل الأتراك) عن تنفيذ مغامرات عسكرية. وبعد كل هذا، لا أحد يريد المجازفة  بقتل الجنود الروس علانية.

وهناك احتمال آخر يتعلق بالجنود الشيشان. فقد عبر زعيم الشيشان “رمضان قديروف” مرارًا وتكرارًا عن رغبته في إرسال قوات لمكافحة “الإرهاب” في سوريا، وما يزال طلبه مرفوضًا حتى الآن. ولكن من خلال الدور الدبلوماسي النشط بشكل متزايد في ليبيا (عبر مبعوثه، ليف دينجوف)، ربما يحقق “قديروف” رغبته. وتواصل الشيشان أيضًا تدريب الوحدات العسكرية العربية في “جامعة القوات الخاصة” الجديدة الضخمة، على بعد 36 كم من العاصمة “جروزني”، لذلك من المعقول تمامًا أن ينتهي الأمر بالجنود الشيشان إلى ساحة المعركة الليبية التالية.

ومع ذلك، تتوقف تلك الاحتمالات على اتخاذ الكرملين قراراً سياسياً واحداً، ألا وهو: هل روسيا مستعدة لخوض حرب مدن مدمرة للغاية من أجل العاصمة الليبية؟

لقد أثبتت طرابلس حتى الآن أنها هدف صعب لقوات حفتر. حيث أظهرت شهور من الهجمات الفاشلة أنه حتى إضافة مئات المقاتلين المرتزقة الروس غير كافٍ بالمرة للاستيلاء على المدينة من الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق الوطني والاحتفاظ بها. وفي سوريا، لم تأتي المكاسب الكبيرة إلا بعد شهور من القصف الجوي الروسي المدمر على المناطق الطبيعية الحضرية الكثيفة، وعلى الأخص نصف مدينة حلب التي يسيطر عليها المتمردون، وضواحي الغوطة الشرقية في دمشق. وتعرضت المنطقتان للإبادة تقريبًا، مع تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، وتعرض البنية التحتية لدمار كارثي.

وعلى الرغم من الحرب المستمرة لسنوات، نجت طرابلس إلى حد كبير من هذا المصير، ويبدو أنه لعارٍ على روسيا أن تكون هي من يدمر تلك المدينة. ومن ناحية أخرى، واجهت موسكو عواقب قليلة، إن وجدت، بسبب أفعالها، سواء ذبح المدنيين السوريين، أو تنفيذ الاغتيالات السياسية على الأراضي الأوروبية، ولذلك ربما لم تكن فكرة تدمير طرابلس عن بكرة أبيها بعيدة المنال. ومع تدخل روسيا أكثر في ليبيا، وانعدام أصوات الإدانة الدولية، فإن المصير الوحيد لدولة ليبيا هو المزيد من المذابح والفوضى والموت.

نيل هاور، يعمل محلل أمني، ويقيم في مدينة “تبليسي”، عاصمة جورجيا.  تركز أعماله على الصراع السوري، ولاسيما الدور الروسي، والسياسات والأقليات في جنوب القوقاز، والعنف والسياسات المتبعة في شمال القوقاز، ولاسيما في دولتي الشيشان وإنجوشيا.