التغزل التركي بروسيا ليس بالجديد – بل أمرٌ مـتأصل في تاريخ العلاقة بين البلدين

عمر تاسبينار

AFP Photo: Yuri Kadobnov

لكي يدرك أي شخص ماهية الترتيبات العسكرية والسياسية بين أنقرة وموسكو، فيجب عليه الالتفات إلى أمرين، وهما: حالة الإحباط التي أصابت تركيا بسبب الغرب، والأسباب التاريخية للصداقة بين روسيا وتركيا. ولما كانت حالة الإحباط ملموسة وموثقة، إلا أنه بالكاد يمكن تحليل دوافع الصداقة بين الطرفين. وتشير الرواية التقليدية حول تاريخ العلاقة بين روسيا وتركيا إلى العداء المرير القائم على التنافس الإمبراطوري. وخاض العثمانيون وعائلة رومانوف الروسية الحاكمة أكثر من عشر حروب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي خسرتها إسطنبول جميعها تقريبًا، لذلك فمن المؤكد أن المؤرخين يجدون أن الإشارات الحالية للصداقة بين “السلطان” و”القيصر” مسلية للغاية. وبالفعل هي كذلك، فأردوغان وبوتين بطاركة يديران إقطاعياتهما الوطنية مع الحنين إلى الماضي الإمبريالي، ولكن أسلافهما كانا مشغولين بالحروب، وليس الأحاديث الرنانة.

ومع ذلك، تقدم حقبة ما بعد الإمبراطورية بعض التفسيرات. وبداية، يعود الفضل الكبير لظهور تركيا الحديثة كدولة قومية ذات سيادة عام 1923 إلى الدعم العسكري السوفيتي، وذلك عندما أنقذت روسيا البلشفية، بقيادة لينين، أتاتورك أثناء حرب الاستقلال التركية خلال الفترة من 1919-1922. وهنا كان السوفييت محقين في اعتقادهم أن مساندة جيش الأناضول بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ستكون حركة مقاومة مناهضة للامبريالية ضد المستعمرين الغربيين. ولازال هذا الدعم الروسي خلال هذه المرحلة الحرجة من التاريخ التركي يتردد صداه داخل المؤسسة القومية في أنقرة. ولكن لفهم العلاقة الروسية التركية جيدًا، يجب على المرء أن يدرس أيضًا سبب الاستياء العارم لتركيا الحديثة من القوى الغربية.

في عهد أتاتورك، سعت الجمهورية التركية الجديدة جاهدة إلى محو ماضيها العثماني، غير أن محو قرون من عدم الثقة تجاه الغرب أثبت أنه أكثر صعوبة. فلم تكن الإمبراطورية العثمانية مستعمرة رسمياً، غير أن فترة الانحدار الامبريالي المقيتة والتي طال أمدها كانت نتاج هزيمتها عسكريًا وإذلالها على أيدي القوى الغربية. وحتى وقتنا الراهن، لا تزال معاهدة سيفر السافرة عام1920 – والتي تنص على تقسيم ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان – رمزًا قويًا جدًا للنوايا الغربية الشائنة في الذاكرة الجماعية لدى الأتراك.

وفي المقابل، تتذكر تركيا باعتزاز الدعم الروسي لها لتنال استقلالها، وتشعر بالامتنان تجاهها. ولا غرابة في أن يتقن أحد الشعبويين من أمثال الرئيس أردوغان فن استغلال هذا التشكيك في الغرب، وغالبًا ما يصور الارتباط العسكري مع روسيا – مثل شراء نظام الدفاع الصاروخي “إس 400” – كخطوة نحو الاستقلال عن الولايات المتحدة. وفي تحدٍ للعقوبات الأمريكية التي تلوح في الأفق، قال أردوغان مؤخرًا: “نحن لا نتلقى أوامر من واشنطن، ولكننا بحاجة إلى تطوير نظام الدفاع الصاروخي الخاص بنا، وصناعتنا الدفاعية الوطنية”. وأضاف “أردوغان” إلى الحشود التي تهتف مرددة شعارات استقلال تركيا” إن التعاون مع روسيا في نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك سيقودنا نحو هذا الاتجاه”.

وتشكل مثل تلك التصريحات تذكير واضح بأن تركيا لا تزال تعتبر روسيا وسيلة ضغط في سعيها للحصول على مزيد من الاستقلال عن الغرب. وقد ترسخت جذور تلك الرغبة العارمة للسيادة والحياد بشكل قوي في التاريخ التركي الحديث. سعت أنقرة جاهدة لتجنب المفاضلة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي حتى تقدم ستالين بمطالب إقليمية عام 1945. كما نجحت تركيا أيضًا في البقاء على الحياد في الحرب العالمية الثانية بعدم دعم الحلفاء ضد ألمانيا. ومع ذلك، لم يكن الحياد خيارًا قابلاً للتطبيق خلال الحرب الباردة، ففي عام 1952، انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلس (الناتو).

وعلى الرغم من ذلك، واصلت روسيا السوفيتية استغلال صورتها الإيجابية لدى اليسار القومي التركي. وتتغزل الأوساط العسكرية ذات الفكر الكمالي بالعلاقات الوثيقة مع موسكو في كل مرة تنشأ فيها مشكلات بين أنقرة وواشنطن.

لطالما كانت فكرة إعادة التنظيم الكبرى لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال تروق للقوميين، غير أنها ظلت خارج نطاق الواقعية السياسة. وفي الواقع العملي، كان ذلك يعني أن إحباطات تركيا المتكررة إزاء الغرب لم تكتسب بُعدًا مُعاديًا لروسيا على نحو سافر. وبدءًا من المثقفين الاشتراكيين الذين يرعون الأحلام الثورية، وصولاً إلى الجنرالات أصحاب الفكر الكمالي الذين يرجعون إلى إرث أتاتورك المتمثل في “الاستقلال التام”، فإن الاتحاد السوفيتي يشكل قطبًا ضروريًا من أقطاب المقاومة ضد الإمبريالية الأمريكية.

وأخيرًا، ومع نهاية الحرب الباردة، شهدت العلاقات بين تركيا والغرب مرحلة جديدة، وتحول مركز الثقل الاستراتيجي في السياسة الخارجية التركية نحو الشرق الأوسط. وشكلت بلدان مثل العراق وسوريا ساحات جديدة للصراع مع واشنطن ولمشاعر الإحباط القومي تجاهها، ويكمن السبب الرئيسي وراء ذلك في الدعم الأمريكي للمجموعات الكردية. وأدى هذا الشعور المناهض للغرب إلى صعود الأوراسية التركية، وهي حركة محبة لروسيا ومُشككة في أوروبا ومناهضة لأمريكا، وتضم الاشتراكيين والقوميين والكماليين ومؤخرا، أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

واليوم، يصف الكثيرون تركيا بأنها دولة تشهد انقسامًا كبيرًا بين الإسلاميين والعلمانيين. وفي ظل هذا التمثيل الثنائي الزائف، إلا أنه كثيرًا ما يُغض الطرف عن حقيقة أن الرموز التاريخية القوية مثل معاهدة “سيفر” مازالت توحد الإسلاميين والعلمانيين حول الدافع الرئيسي للسياسة التركية: وهو القومية. وغالباً ما تتخذ القومية التركية شكلاً معاديًا بشدة للغرب، وهو ليس بالمفاجأة. وبينما يشعر أصحاب الفكر الكمالي بخيبة أمل إزاء الاتحاد الأوروبي والذي لم يقدر مطلقًا علمنة تركيا وتغريبها، نجد أن الإسلاميين لم يتطلعوا أبدًا إلى الانضمام إلى كيان لطالما اعتبروه ناديًا مسيحيًا مناهضًا لتركيا.

إن ما بقي ثابتًا في التاريخ التركي الحديث هو شعور بالغضب الصريح تجاه الغرب. لم يتأثر القوميون الأتراك بحقيقة أن غضب روسيا من الغرب له جذور قومية مماثلة. وهذا هو السبب في أن أردوغان وبوتين شكلا معاً “محور المستبعدين”. وعلى مدار التاريخ، كان الاستياء القومي تجاه الغرب يُذكي التعاون التركي الروسي. ولا يمكن لواشنطن أن تتجاهل هذا التعاون وإلا سيكون خطأً إستراتيجياً كبيراً.

عمر تاسبينار أحد كبار الباحثين في معهد بروكينغز، وأستاذ استراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.