الانقسام بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط سببه الحكم غير الرشيد والقومية أكثر منه انقسامًا دينيًا

عمر تاسبينار

كان الغرب مهووسًا بالدين الإسلامي منذ أن تحولت توقعات صامويل هنتنجتون بخصوص صراع الحضارات إلى نبوءة تتحقق ذاتيًا بعد هجمات الحادي عشر “11” من سبتمبر الإرهابية في العام 2011. وهناك في أحد السياقات العالمية المستقطبة والذي يُعرف باضطراد “بسياسات الهوية” ينتشر مفهوماً ولفظاً “الجهاد مقابل الحملة الصليبية”. وهناك تحليل سطحي يرتكز إلى الدين ويتناول أغلبه قطاع عريض من الغربيين الذي يفكرون في أغلب قضايا الشرق الأوسط، ابتداءً من التحول التركي في عهد “رجب طيب أردوغان”، وصولاً إلى ظهور نظام الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا والعراق، وهذا التوجه هو أوضح مثال على المبالغة في النظرة إلى الدين الإسلامي مقارنة بتحليل الانقسام الطائفي بين السنة والشيعة في منطقة الشرق الأوسط. ووفقًا للحكمة السائدة، إنها حرب “داخل الإسلام” بين مجتمعين متنافسين يقاتلان بعضهما منذ زمن سحيق. ويبدو أن مفهوم “الأحقاد القبلية القديمة” يناسب النزاع على وجه الخصوص وأصبح نمطًا مألوفًا للتعبير عن ما يُفترض أن يكون نزاعًا دمويًا مستعصيًا.

ويقدم كلٌ من نادر هاشم وداني بوستل، في كتابهما المميز، “التطييف”، والذي يتناول السياسات الجديدة في الشرق الأوسط، مجموعة من السياسيين والصحفيين والخبراء ممن لم يكلوا ولا يملوا من تكرار شعار الكراهية الأزلية بين السنة والشيعة. فعلى سبيل المثال، أشار عضو مجلس الشيوخ الأمريكي “تيد كروز” إلى أن “ثمة حرب مدنية طائفية بين السنة والشيعة منذ 632، وإن من الغطرسة والجهل أن يكون الأمن القومي الأمريكي مرهونًا بتسوية صراع ديني عمره 1,500 عام. ولاحظ “ميتش ماكونيل” زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، أن ما يشهده الشرق الأوسط في الوقت الراهن هو “صراع ديني ممتد منذ 1,500 عام”، ويتبنى تلك الرواية أيضًا مبعوث السلام الأمريكي للشرق الأوسط “جورج ميتشل”، والعضو السابق بمجلس الشيوخ الأمريكي، لأنها تفسر ماهية الاضطراب الذي يشهده العالم العربي،. وبدأ هذا الاضطراب بعد وفاة الرسول صل الله عليه وسلم حيث تصارع السنة والشيعة على النفوذ السياسي. وهذا ما يحدث الآن في جميع أنحاء العالم، وهو العامل الأكبر في الصراع الدائر الآن في العراق وفي سوريا ودول أخرى.” ويؤكد كاتب العمود في جريدة “نيويورك تايمز” “توماس فريدمان” أن “مشكلة الشرق الأوسط الأساسية هي ذلك الصراع الذي وقع في القرن السابع الهجري حول من أحق الناس بالخلافة بعد وفاة الرسول صل الله عليه وسلم، السنة أم الشيعة.”

ومن المؤكد أن هذا الانقسام له جذور تاريخية عميقة. وبدأ الصدع فعليًا بين السنة والشيعة بعد وفاة الرسول صل الله عليه وسلم بوقت قصير، وكان محور الخلاف على من أحق الناس بخلافة رسول الله صل الله عليه وسلم. ويبقى أن ربط الماضي بالحاضر يثير تساؤلاً بسيطًا وهو: هل الحرب الدائرة بين المسلمين في العراق وسوريا واليمن ولبنان تعود إلى نفس أسباب الحرب في السنوات الأولى من ظهور الدين الإسلامي؟ هل الدين هو لب الصراع بينهم؟ والإجابة ببساطة، لا.

فالدين لا يشكل إلا جزء بسيط من صورة سياسية وجغرافية إستراتيجية أكثر تعقيدًا. فإراقة الدماء في سوريا واليمن لن تنتهي إذا اتفق السنة والشيعة فجأة على من أحق منهما بخلافة الرسول صل الله عليه وسلم. وبالنظر إلى النزاعات في الشرق الأوسط والتي تكسوها النزعة الطائفية، فعلى مدار القرن السابع الهجري، نجد أن الصراع بين السنة والشيعة بسيط ومضلل.

ويجب أن يكون ثمة تحليل جاد بخصوص هذا الصراع عوضًا عن تلك الرواية الشائعة المتعلقة بوجود صراع تاريخي وأزلي بين السنة والشيعة. ويجب أن يلتفت هذا التحليل إلى ما آل إليه الصراع بين السنة والشيعة في القرن الواحد والعشرين. ويعود الصراع الحديث في الدول المنهارة أو المفككة إلى التنافس السياسي والقومي والجغرافي الإستراتيجي.

إن الحروب الطائفية الدائرة في الشرق الأوسط في الوقت الراهن لها أسبابها المتأصلة عند القومية الحديثة وليس الدين الإسلامي. وأصبحت تلك الحروب الطائفية حروب بالوكالة بين إيران والمملكة العربية السعودية، ويمارس هذان اللاعبان القوميان تنافسهم الإستراتيجي في أماكن انهار فيها الحكم. وما يحدث هو ليس عودة الكراهية القديمة المزعومة، بل تعبئة أحقاد جديدة. إن توظيف الدين وتطييف الصراع السياسي هو الطريقة الأفضل لمعالجة المشكلة وليس حصر المشكلة في الدين واعتباره أنه المحرك والسبب الرئيسي لتلك المحنة.

ونجح السنة والشيعة في التعايش معًا في ظل قدر يسير من النظام السياسي والذي يوفر الأمن لكليهما. وبمعنى آخر، لا توجد ميول جينية لكي يتصارع الطرفان مع بعضهما، فالنزاع غير موجود داخلهما بالفطرة وليس قدرهما.

وينطبق الأمر ذاته على التنافس على القومية بين إيران والمملكة العربية السعودية،  فالصراع الإقليمي بين طهران والرياض ليس متأصلا أو مستعصيًا. وفي أواخرسبعينات القرن العشرون، كانت مملكتا المملكة العربية والسعودية وإيران حلفاء ضد جمهورية مصر القومية بقيادة “عبد الناصر”. وفي مجمل القول، إن الحرب بين السنة والشيعية ليست حرب دينية، ولكن ما حدث أن إيران تصارع القوميين العرب في حرب إقليمية مميتة – ولاسيما في سوريا والعراق – حيث تهاوى الحكم فيهما.

ومن المحتمل جدًا أن يكون ظهور سياسات الهوية في الغرب قد جعل الكثير من صناع القرار في أوروبا والمحللون والصحفيون يركزون في الوقت الحالي وحصريًا على الإسلام دون التركيز على الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وراء هذا التوتر والصراع في الشرق الأوسط. ولن يترتب على هذا التشخيص الخاطئ سوى زيادة الحلول الخاطئة.

لقد حان الوقت أن يتوقف الغرب عن هوسه بالإسلام، وأن يبدأ في التركيز على العوامل السياسية والمؤسسية والجغرافية الإستراتيجية لتلك الطائفية.

AFP PHOTO/AHMAD AL-RUBAYE